فهرس الكتاب

الصفحة 3156 من 4864

فالواجبُ علينا موالاتهم جملةً، دون الخوض في مساوئ آحادهم لما سبق ذِكْرُهُ، وخير دليلٍ القصة التي ذَكَرْتَهَا في سؤالك عن الصحابي الذي كان يُقام عليه الحدُّ لشربه الخمر؛ فقد أخرج البخاري من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال:"إن رجلًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبدالله، وكان يلقب بالحمار، وكان يُضْحِكُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشَّراب، فأُتي به يومًا، فأمر به فُجلد، فقال رجل من القوم: اللهُمَّ الْعَنْهُ، ما أكثر ما يُؤْتَى به! فقال صلى الله عليه وسلم: (( لا تَلْعَنُوهُ، فوالله ما علمتُ إلا أنَّهُ يُحِبُّ اللهَ ورسولَهُ ) )."

فأقام عليه الحدَّ تحقيقًا للعدل، وفي نفس الوقت أظهر مُقْتضى الحبِّ والولاء؛ فدافع عنه - عليه الصلاة والسلام - فقال: (( لا تلعنوهُ ) ).

قال شيخ الإسلام:"فإنَّ الله سبحانه بَعَثَ الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون الدِّينُ كلُّه لله، فيكون الحبُّ لأوليائه، والبغضُ لأعدائه، والإكرام لأوليائه، والإهانة لأعدائه، والثَّوابُ لأوليائه، والعقاب لأعدائه."

وإذا اجتمع في الرَّجل الواحد خيرٌ وشرٌّ وفجورٌ، وطاعةٌ ومعصيةٌ، وسُنَّةٌ وبدعةٌ؛ استحقَّ من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحقَّ من المعاداة والعقاب بحسْب ما فيه من الشرِّ، فيجتمع في الشخص الواحد موجباتُ الإكرام والإهانة، فيجتمع له من هذا وهذا، كاللِّصِّ الفقير تُقْطَعُ يدُه لسرقته، ويُعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته.

هذا هو الأصل الذي اتَّفق عليه أهلُ السُّنة والجماعة، وخالفهم الخوارجُ والمعتزِلةُ ومن وافقهم عليه، فلم يجعلوا النَّاسَ لا مستحقًّا للثواب فقط ولا مستحقًّا للعقاب فقط"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت