الثاني: كراهِيَة ضربِ الرجال بالدُّفِّ في الأعْراسِ ونحوِها، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقول عند المالكية والشافعية والحنابلة. قال البُهُوتي في"كشاف القناع":" (ويكره) الضربُ بالدُّفِّ (للرجال) مُطلقا قاله في الرعاية. وقال الموفق: ضربُ الدُّفِّ مخصوصٌ بالنساء. قال في الفروع: وظاهر نُصوصِه وكلامِ الأصحاب التسويةُ"، وقال في"رد المحتار"لابن عابدين - الحنفي:"قوله: ضرب الدف فيه -أي العرس- خاصٌّ بالنساء.... وهو مكروه للرجال على كل حال للتشبه بالنساء".
والراجِحُ - والله أعلم - أنَّ الضرب بالدف خاصٌّ بالنساء دون الرجال؛ لأن الدُّفَّ من جُملة المعازف التي حرمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: (( لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ والخَمْرَ والمَعَازِفَ ) )؛ أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن أبي مالك الأشعري، ورواه غيرُه موصولًا بِطُرُقٍ كثيرةٍ أوردها ابْنُ حجرٍ في كتابه"تغليق التعليق"؛ فالأصل تحريم جميع المعازف.
ولكن جاءت الأدِلَّةُ مُستثْنِيَةً استخدامَ الدُّفِّ للنساء والأطفال وبقي الرجال على الأصل، ولم ينقل أنَّ الرجالَ كانُوا يُنْشِدون بالدُّفِّ، مع وجوده، ولعلَّ ذلك راجع إلى أنَّ الرجال ينبغي أن يكون اهتمامُهُم باللَّهْوِ الذي يَبْنِي شخصيَّةً قويَّةً، ولا يشغل عن معالي الأمور، ولهذا كانوا يلعبون بالحِراب، وهي من أدوات الحرب، أمَّا النساء فليس ذلك من شأنهنَّ، فأَذِنَ الشارع لهنَّ بما يتناسب وطبيعة النساء ورِقَّتِهِنَّ.