وأمَّا إن كان مراد الأخ الكريم بالتدوين كتابة الحديث، فإن ذلك الأمر قد بدأ منذ عصر النبوة كما لا يَخْفَى، فكان عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - يكتب ما يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكتابة خطبته يوم الفتح لأبي شاه اليماني لما طلب ذلك، وكان عند علي - رضي الله عنه - صحيفة فيها بعض أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي جُحيفة عن علي رضي الله عنه، وكتب أبو بكر - رضي الله عنه - لأنس - رضي الله عنه - حينما أرسله إلى البحرين كتابًا فيه الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، وهناك العديد من الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة تدلُّ على ذلك، لا يسع المقام لحصرها، ولا لتخريجها، أسند بعضها الرامهرمزي في"المحدِّث الفاصل" (ص363ـ378) ، وأفرد الخطيب البغدادي هذا الموضوع بتصنيفٍ أسْماه (تقييد العلم) ، لكنَّ كتابةَ الحديث قد دخلت في عصرٍ جديدٍ بِحلولِ خلافة عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - الذي أرسل إلى أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم - وكان واليًا له على المدينة - يأمُرُه بِكتابة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفًا من دروس العلم، وموت العلماء، وأمره ألا يكتب سوى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه هي البداية الفعليَّة لعصر التدوين بعد أن كانت كتابة الحديث من النُّدرة بمكان.
أمَّا أن يكون للوجادة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم خاص، فلم أقف على أحد من أهل العلم نَصَّ على هذا تصريحًا أو إشارة،، والله تعالى أعلم.