فهرس الكتاب

الصفحة 1068 من 4864

إحداهما: مَن ترَكَ طعامَهُ وشَرابَهُ وَشهْوَتَهُ لله تعالى؛ يرجو عِنده عِوَضَ ذَلِك في الجنة، فهذا قد تاجَرَ مع الله وعامَلَهُ، والله تعالى لا يُضِيعُ أجر مَن أحسن عملًا، ولا يَخيب معه مَن عامله، بل يربح عليه أعظم الربح، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إنَّكَ لن تدع شيئًا اتِّقاءَ الله إلا آتاكَ اللهَ خيْرًا منه"خرَّجه الإمام أحمد، فهذا الصائم يُعطَى في الجنة ما شاء اللهُ مِن طعام وشراب ونساء. قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24] قال مجاهدٌ وغَيرُه: نَزَلَتْ فِي الصَّائِمِينَ.

الطبقة الثانية من الصائمين: مَنْ يَصُومُ فِي الدُّنيا عمَّا سِوى الله؛ فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفَظُ البَطْنَ وما وعى، ويذكر الموت والبِلى، ويُريدُ الآخِرَةَ فيتركُ زينة الدنيا، فهذا عِيدُ فِطره يوم لقاء ربه وفرحِهِ برؤيته: أهل الخصوص من الصوَّام، صومُهم صَوْنُ اللِّسانِ عنِ البُهتَانِ والكذِب.

والعارفون وأهل الأُنْسِ صَومُهُمْ صوْن القُلوب عن الأغيار والحجب.

العارفون لا يُسَلِّيهِمْ عن رؤية مولاهم قَصْرٌ، ولا يَرْوِيهِمْ دون مشاهدته نهرٌ، هِمَمُهم أَجَلُّ من ذلك:

كَبُرَتْ هِمَّةُ عَبْدٍ = طَمِعَتْ فِي أَنْ تَرَاكْ

مَنْ يَصُمْ عَنْ مُفْطِرَاتٍ = فَصِيَامِي عَنْ سِوَاكْ

من صام عن شهواته في الدنيا، أدركها غدًا في الجنة، ومَن صام عمَّا سوى الله، فعِيدُه يوم لقائه؛ {مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت: 5] .

وَقَدْ صُمْتُ عَنْ لَذَّاتِ دَهْرِيَ كُلِّهَا = وَيَوْمَ لِقَاكُمْ ذَاكَ فِطْرُ صِيَامِي". اهـ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت