-ومنها قصة الغلام الواردة في تفسير سورة أصحاب الأخدود؛ حيث دلهم على طريقة قتله، ولم يكن ذلك انتحارًا وإنما بذلٌ للنفس في سبيل الله، قال الغلام للملك الكافر:"خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إذا فعلت ذلك، قتلتني"؛ رواه مسلم؛ ووجه الدلالة من القصة أن هذا الغلام المجاهد غرر بنفسه، وتسبب في ذهابها من أجل مصلحة المسلمين؛ لأنهم لم يستطيعوا قتله إلا بتلك الطريقة التي دلهم عليها، واغْتُفِر ذلك في باب الجهاد، ومثله المجاهد في العمليات الاستشهادية؛ حيث تسبب في ذهاب نفسه لمصلحة الجهاد؛ قال شيخ الإسلام - تعقيبًا على تلك القصة:"وهذا حصل فيه نفع كبير للإسلام".
-ونقل الحافظ ابن حجر في"الفتح"وابن النحاس في"مشارع الأشواق"عن المهلب قال:"وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالمًا ولا معتديًا؛ وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد".
-وقال أبو حامد الغزالي في"الإحياء":"فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة:195] ؟ قلنا: لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يُقْتَل، وهذا ربما يُظَن أنه مخالف لموجب الآية وليس كذلك، فقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما:"ليس التهلكة ذلك، بل ترك النفقة في طاعة الله تعالى، أي: من لم يفعل ذلك، فقد أهلك نفسه"، وقال البراء بن عازب:"التهلكة هو أن يذنب الذنب، ثم يقول: لا يتاب عليَّ"، وقال النووي في"شرح مسلم":"وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد"، وقال القرطبي في"تفسيره":"قال محمد بن الحسن الشيباني: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده، لم يكن بذلك بأس؛ إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو؛ فإن لم يكن كذلك، فهو مكروه؛ لأنه عرَّض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين"."