لكن لما ضعف الإيمان ضعف قبول النفس للأدوية الشرعية، وصار الناس الآن يعتمدون على الأدوية الحسية أكثر من اعتمادهم على الأدوية الشرعية، ولما كان الإيمان قويًا كانت الأدوية الشرعية مؤثرة تمامًا؛ بل إن تأثيرها أسرع من تأثير الأدوية الحسية. ولا يخفى علينا جميعًا قصة الرجل الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية فنزلوا على قوم من العرب، ولكن هؤلاء القوم الذين نزلوا عليهم لم يضيفوهم، فشاء الله عز وجل أن لُدِغ سيد القوم - لدغته حية - فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هؤلاء القوم الذين نزلوا لعلكم تجدون عندهم راقيًا، فقال الصحابة لهم: لا نرقي على سيدكم إلا إذا أعطيتمونا كذا وكذا من الغنم، فقالوا: لا بأس، فذهب أحد الصحابة يقرأ على هذا الذي لُدِغَ، فقرأ سورة الفاتحة فقط، فقام هذا اللديغ كأنما نشط من عقال، وهكذا أثرت قراءة الفاتحة على هذا الرجل؛ لأنها صدرت من قلب مملوء إيمانًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجعوا إليه:"وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ" [3] .
لكن في زماننا هذا ضعف الدين والإيمان، وصار الناس يعتمدون على الأمور الحسية الظاهرة، وابتلوا فيها في الواقع . ولكن ظهر في مقابل هؤلاء القوم أهل شعوذة ولعب بعقول الناس ومقدراتهم وأموالهم يزعمون أنهم قراء بررة، ولكنهم أكلة مال بالباطل، والناس بين طرفي نقيض منهم من تطرف ولم ير للقراءة أثرًا إطلاقًا، ومنهم من تطرف ولعب بعقول الناس بالقراءة الكاذبة الخادعة، ومنهم الوسط.
ـــــــــــــــــ
[1] أحمد (1/391، 452) ، وأبو يعلى (5297) ، والبزار (994) ، وابن حبان (972) ، والطبراني في «الكبير» (10352) . قال في «مجمع الزوائد» (10/136) : «ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان» .