فهرس الكتاب

الصفحة 4597 من 4864

وحكم الله ورسوله لا يختلف في ذاته باختلاف الأزمان، وتطور الأحوال، وتجدد الحوادث؛ فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصًا أو ظاهرًا أو استنباطًا أو غير ذلك، علم ذلك من علمه، وجهله من جهله.

وليس معنى ما ذكره العلماء من تغير الفتوى بتغير الأحوال ما ظنه من قَلَّ نصيبهم أو عدم من معرفة مدارك الأحكام وعللها؛ حيث ظنوا أن معنى ذلك بحسب ما يلائم إراداتهم الشهوانية البهيمية، وأغراضهم الدنيوية، وتصوراتهم الخاطئة الوبية؛ ولهذا تجدهم يحامون عليها، ويجعلون النصوص تابعة لها، منقادة إليها،مهما أمكنهم؛ فيحرفون لذلك الكلم عن مواضعه. وحينئذ معنى تغير الفتوى بتغير الأحوال والأزمان - مراد العلماء منه ما كان مستصحبة فيه الأصول الشرعية، والعلل المرعية، والمصالح التي جنسها مراد لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن المعلوم أن أرباب القوانين الوضعية عن ذلك بمعزل، وأنهم لا يعولون إلا على ما يلائم مراداتهم كائنة ما كانت، والواقع أصدق شاهد.

الثالث: أن لا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله، لكن اعتقد أنه مثله. فهذا كالنوعين اللذين قبله في كونه كافرًا الكفر الناقل عن الملة؛ لما يقتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقوله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشّورى: 11] ، ونحوها من الآيات الكريمة الدالة على تفرد الرب بالكمال، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين في الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.

الرابع: أن لا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلًا لحكم الله ورسوله فضلًا عن أن يعتقد كونه أحسن منه؛ لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله؛ فهذا كالذي قبله يصدق عليه ما يصدق عليه؛ لاعتقاده جواز ما علم بالنصوص الصحيحة الصريحة القطعية تحريمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت