وعلى هذه المقولة الشنيعة يكون أبو جهل وأبو طالب وغيرهما من أصناف الكفرة مؤمنين؛ لأنهم لا يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم في قَرَارة أنفسهم وإنما يجحدون رسالته في الظاهر تكبرًا وعنادًا - كما قال الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ *} [الأنعَام] ، وقال فيمن قبلهم من أعداء رسالات الرسل: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ *} [النَّمل] . ومن عجيب أمر بعض من كتب أو تكلم من المعاصرين في هذه المسألة الخطيرة وتبنَّى مسألة الإرجاء الشنيع: أنهم ينسبون هذا إلى السلف ويجمعون بين المتضادات من الأقوال المختلفة ظانين أنها تؤيدهم في مسلكهم، فهم كالذي يجمع بين الضَّب والنُّون [3] . ونسأل الله لنا ولهم الهداية للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجنبنا جميعًا القول عليه بلا علم، ويوفقنا لقول الحق والعمل به.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
ــــــــــــــــــــ
[1] «كشف الشبهات» 1 (/180، 181) .
[2] انظر: «مجموعة رسائل في التوحيد والإيمان» ص (387) ، و «الرسائل الشخصية» ص (214) .
[3] لأن الضبَّ لا يَرِدُ الماء ولا يشربُه، والنُّون (أي: الحوت) لا يستغني عنه ولا يعيش إلا فيه .