فإن الرضا بذلك يتضمن من محبة الله، وإيثار مرضاته، والغيرة لدينه، والانحياز إلى أوليائه ما يوجب البراءة التامة والتباعد كل التباعد من الكفرة وبلادهم، بل نفس الإيمان المطلق في الكتاب والسنة، لا يجتمع مع هذه المنكرات، وصح عن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله بايعني واشْتَرِطْ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَعْبُدَ الله، وتُقِيمَ الصلاة، وتُؤْتِي الزكاة، وتُنَاصِحَ المسلمين، وتُفَارِقَ المشركين [2] أخرجه أبو عبدالرحمن النسائي وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث السابق، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: أنا بريءٌ مِنْ كلِّ مسلمٍ يُقِيم بين أَظْهُرِ المشركين [3] وقال عليه الصلاة والسلام: لا يَقْبَلُ اللهُ عز وجل مِنْ مشركٍ عملًا بَعْدَمَا أَسْلَم؛ أَوْ يُفَارِقَ المشركين [4] والمعنى: حتى يفارق المشركين.
وقد صرح أهل العلم بالنهي عن ذلك، والتحذير منه، ووجوب الهجرة مع القدرة، اللهم إلا رجل عنده علم وبصيرة، فيذهب إلى هناك للدعوة إلى الله، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وشرح محاسن الإسلام لهم، وقد دلت آية سورة براءة: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *} [التّوبَة] - على أن قصد أحد الأغراض الدنيوية ليس بعذر شرعي؛ بل فاعله فاسق متوعد بعدم الهداية إذا كانت هذه الأمور أو بعضها أحب إليه من الله ورسوله، ومن الجهاد في سبيل الله.