وقامت بهم الحجة على العباد، فإن آمن بعلم الرب وحكمته وعدله ورحمته، وبصدق الرسل وأمانتهم وتبليغهم قامت عليه الحجة، ووجب عليه التسليم لله في تشريعه، علم الحكمة في فروع التشريع أم لم يعلمها، وإن أبى أن يؤمن بالأصول لم تكن هناك فائدة للدخول معه في تفاصيل الشريعة .
-ومع هذا ففي إباحة تعدد الزوجات حِكَم:
منها: أن الإحصاء أو الاستقراء دل على أن عدد من يولد من الإناث أكثر من عدد من يولد من الذكور، وأن عدد من يتوفى من الذكور أكثر من عدد من يتوفون من الإناث؛ لكثرة ما يتعرض له الذكور دون الإناث من أسباب الموت، كالمواجهات في الحروب، ودفع غائلة الأعداء، والقيام بالأعمال الشاقة، والأسفار البعيدة، ونحو ذلك مما يكون الإنسان فيه عرضة للمتاعب والأخطار، فلو منع تعدد الزوجات لبقي عدد من النساء بلا أزواج، وفات عليهن المتعة وإشباع الغريزة الجنسية، بقضاء الوطر على وجه يليق بالشرف والكرامة، ويقوم عليه بناء الأسر والقبائل والشعوب، ويسقط كثير من النساء في شباك أهل الهوى يعبثون بهن، فتنتهك الأعراض، ويقل النسل، ويكثر اللقطاء، وتنحل الأسر، ويستشري الفساد في المجتمع، ويعم البلاء، ويتبع ذلك انتشار الأمراض الفتاكة؛ كالزهري والسيلان .
ومنها: أن في تعدد الزوجات كثرة النسل، لتعدد محل الحرث، وقضاء الوطر، وفي هذا زيادة في بناء الأمة، ودعم لقوتها، وتعاون على متاعب الحياة، وعمارة الأرض التي جعل الإنسان خليفة فيها، وقد حث الشرع على النكاح تحقيقًا للعفة، وكثرة النسل، وصيانة للأعراض، ومحافظة على بقاء النوع .
ومنها: ما جرت به سنة الله الكونية من أن النساء يحضن ويحملن ويلدن ويستمر بهن دم النفاس زمنًا، فإذا كان في عصمة الرجل أكثر من زوجة وجد الزوج لديه من يعف بها فرجه عن الحرام، فيقضي معها وطره، ويكون ذلك عونًا له على ضبط نفسه، وكبح جماحه، فلا يستهويه الشيطان، ولا تستولي عليه الأهواء .