الطور الثالث: جهاد المشركين مطلقًا وغزوهم في بلادهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؛ ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الإسلام، ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد، وينعم العباد بحكم الشريعة العادل وتعاليمها السمحة، وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلى سعة الاسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة، وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأنزل الله فيه: قوله عز وجل في سورة براءة وهي من آخر ما نزل: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التّوبَة: 5] ، وقوله سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39] ، والأحاديث السابقة كلها تدل على هذا القول وتشهد له بالصحة.
-وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الطور الثاني وهو القتال لمن قاتل المسلمين والكف عمن كف عنهم قد نسخ؛ لأنه كان في حال ضعف المسلمين، فلما قواهم الله وكثر عددهم وعدتهم أمرهم بقتال من قاتلهم ومن لم يقاتلهم؛ حتى يكون الدين لله وحده، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها.
وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الطور الثاني لم ينسخ بل هو باق يعمل به عند الحاجة إليه؛ فإذا قوى المسلمون واستطاعوا بدء عدوهم بالقتال وجهاده في سبيل الله فعلوا ذلك - عملًا بآية التوبة وما جاء في معناها، أما إذا لم يستطيعوا ذلك فإنهم يقاتلون من قاتلهم واعتدى عليهم، ويكفون عمن كف عنهم - عملًا بآية النساء وما ورد في معناها. وهذا القول أصح وأولى من القول بالنسخ؛ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.