ثم يأتي بسعي الحج بعد ذلك الطواف، وكونُ السعي بعد الطواف لا يَمْنَعُ أن يكون آخر عهده بالبيت، لأنه فاصلٌ يسيرٌ؛ ومما يدلُّ على ذلكِ قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - لِعَبْدِ الرَّحْمَن بن أبي بكر: (( اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِن الحَرَم فَلْتُهِلَّ عُمْرَة ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافكُمَا ) )الْحَدِيثَ؛ متفق عليه عن عائشة. وليس فيه أنه أمرها بطوافٍ للوداع بعد ما طافت وسعت للعمرة. قَالَ ابْن بَطَّال في"شرح البخاري":"لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْمُعْتَمِر إِذَا طَافَ فَخَرَجَ إِلَى بَلَده أَنَّهُ يُجْزِئهُ مِنْ طَوَاف الْوَدَاع، كَمَا فَعَلَتْ عَائِشَة".
وقال الحافظُ في"فتح الباري":"ويستفاد من قصة عائشةَ أنَّ السعْيَ إذا وقع بعد طواف الرُّكنِ - إن قلنا إن طواف الركن يُجْزِئُ عن الوداع - إن تخلَّل السعيُ بين الطواف والخروج لا يقطع إجزاءَ الطوافِ المذكور عن الركن والوداع معا".
وقال الشيخ ابن عثيمين - رحِمه الله - في سلسلة لقاءات الباب المفتوح:"إن نوى طواف الوداع فقطْ لم يُجزئْ عن طواف الإفاضة؛ لأن طواف الوداع واجبٌ وطوافَ الإفاضة رُكنٌ، بل إنَّ طواف الوداع سنةٌ عند كثيرٍ من العلماء وطوافَ الإفاضة ركنٌ، وإن نوى طواف الإفاضةِ فقد أجزأ عن الوداع؛ لأنه أعلى منه، ولأنَّ المقصود بطواف الوداع أن يكون آخر عهده بالبيت؛ وقد حصل، فيجزئه طواف الإفاضة عن طواف الوداع، كما تجزئ الفريضةُ في المسجد عن تحيَّة المسجد. وقال: إن نواهما جميعًا جاز؛ لعموم قول النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إنما الأعمالُ بالنيَّاتِ، وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نوى ) )". اهـ.
وعليه؛ فيجوز للقارِنِ والمفْرِد تأجيلُ الطواف والسعيِ إلى آخِرِ الحَجِّ؛ بحيث يطوف بنيَّة الإفاضة فقطْ أو بنيَّة الإفاضة والوداع، ثم يسعى للحج بعد ذلك،، والله أعلم.