مثل ذلك لا يقال رأيًا، وإنَّما حكمه حكم المرفوع.
والمعنى في ذلك على وجهين:
الأول: أنَّ العبد إذا لم ينته إلى إحدى الدارين الجنة والنار، فإنَّ رُعُونات النفس لا تنقطع عنه - وإن كان من أهل الخير - إلا من عصم الله تعالى منهم، فيبقى عليه بقايا من النفس من غلٍ - أي: حسد -، أو تزكية نفس، وغض من مقام غيره، فإن كان من أهل الخير جرى عليه من أهوال الموقف ما يكفر عنه تلك البقايا التي لم يحصل لها مكفر في الدنيا من فعلِ حسنةٍ، أو اجتناب كبيرة، أو حلول بلية به، أو هم، أو غم، أو مرض أو شدة موت، فلا يدخل الجنة إلا طاهرًا مقدسًا، حتى إنَّ منهم من يتم تطهيره بالازدحام عند الدخول في باب الجنة، وكفاك دليلًا على ذلك ما رواه الحاكم - وقال: صحيح الإسناد، وأقره على تصحيحه المنذري، وغيره - عن جابر - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"خَرَجَ مِنْ عِنْدِيْ خَلِيْلِي جِبْرِيْلُ عَلَيْهِ السَّلامُ آنِفًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَالَّذِيْ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ للهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللهَ خَمْسَ مِئَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَل فِي البَحْرِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلاثُونَ ذِرَاعًا، فِي ثَلاثِيْنَ ذِرَاعًا وَالبَحْرُ مُحِيْطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَأَخْرَجَ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الإِصْبَعِ تَبُضُّ أَسْفَلَ الْجَبَلِ، وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ يَخْرُجُ لَهُ فِي كُلِّ [لَيلةٍ] رُمَّانَةٌ يَتَعَبَّدُ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نزَلَ فَأَصَابَ مِنَ الوضُوْءِ، وَأَخَذَ تِلْكَ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ قَامَ لِصَلاتِهِ فَسَأَلَ رَبَّهُ عِنْدَ وَقْتِ الأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا، قَالَ: فَفَعَلَ، فَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَيْهِ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا عَرَجْنَا، فَنَجِدُ لَهُ فِي العِلْمِ"