اشهد بكذا، فقال: أنا أعلم، أو: أشهد، ونحو ذلك، فليس من هذا.
وفي"سنن أبي داود"عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إِذَا سَمعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ:"وَأَنَا، وَأَنَا" [1] .
وما أحسن هذه الأنانية المفصحة عن حقيقة العبودية!
أين هذا من أنانية الرجيم المشعرة بمنازعة الربوبية؟
وبالجملة: تتحد الألفاظ، وإنما يفرق بينها إرادة القلوب.
روى ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه: أنه أَمَّ قومًا مرة، فلما انصرف قال: ما زال علي الشيطان آنفًا حتى رأيت أن الفضل لي على من خلفي؛ لا أَؤم أبدًا [2] .
19 -ومنها -وهو من جنس ما تقدم: دعوى الأحوال الشريفة والمقامات العالية، وهو على خلافها.
ومن هذا القبيل: قول الشيطان كما حكاه الله تعالى عنه بقوله: {فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16] .
وقال الله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} ؛ يعني: لقريش يوم بدر، وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا
(1) رواه أبو داود (526) .
(2) رواه ابن أبي شيبة في"المصنف" (4118) .