فيكم أحدٌ من أهل البصرة؟
قال: فعَدَيْنا إليه، وقلنا له: ما تريد؟
قال: إنَّ مولانا لما به يريد أن يوصيكم، فملنا إليه، فإذا بشخصٍ مُلقى على بُعدٍ من الطريق تحت شجرة لا يحير جوابًا، فجلسنا حوله، فأحس بنا، فرفع طرفه وهو لا يكاد يرفعه ضعفًا، وأنشأ يقول: [من المنسرح]
يا غَرِيبَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهْ ... مُفْرَدًا يَبْكِي عَلى شَجَنِهْ
كُلَّما جَدَّ البُكاءُ بِهِ ... دَبَّتِ الأَسْقامُ فِي بَدَنِهْ
ثم أُغميَ عليه طويلًا ونحن جلوسٌ من حوله إذ أقبل طائرٌ، فوقع أصل شجرة، وجعل يُغرد، ففتح عينيه، وجعل يسمع تغريد الطائر، ثم أنشأ يقول: [من المنسرح]
وَلَقَدْ زادَ الفُؤادَ جَوًى ... طَائرٌ يَبْكِي عَلى فَنَنِهْ
شفَّهُ ما شفني، فَبَكى ... كُلُّنا يَبْكِي عَلى سَكَنِهْ
قال: ثم تنفس تنفسًا فاضت نفسه منه، فلم نبرح من عنده حتى فرغنا من دفنه، فسألنا الغلام عنه، فقال: هذا العباس بن الأحنف رحمه الله تعالى [1] .
والتشبه بالحمام في البكاء والنوح يحسن من الإنسان إذا كان من
(1) انظر:"وفيات الأعيان"لابن خلكان (3/ 26) .