ثم قال يزيد بن ميسرة: فهكذا يقول المال؛ فاحذروا [1] !
قلت: ولما كشفت هذه الحقيقة للعارفين بالله آثروا الحياة الباقية على الحياة الدنيا الفانية، فلم يطلبوا عزها, ولم يجزعوا لذلها، بل أمكنتهم فتركوها وتبرؤوا منها، وخطبتهم فَقَلُوها وأعرضوا عنها، فكانوا هم السابقين إلى نعيم الجنة، الظافرين بعظيم المنة.
وقد روى الإِمام أحمد في"الزهد"عن العباس بن سالم اللخمي قال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى أبي سالم الخشني، فحمل إليه على البريد ليسأله عن الحوض، فقدم به عليه، فسأله فقال: سمعت ثوبان رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إِنَّ حَوْضِيَ مِنْ عَدَنٍ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقاءِ، ماؤُهُ أَشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ وَأكاويبُهُ عَدَدَ النُّجُومِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَها أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَراءُ الْمُهاجِرينَ".
فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: من هم يا رسول الله؟
قال:"هُمُ الشُّعْثُ رُؤُوسًا، الدُّنْسُ ثِيابًا، الَّذِينَ لا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعّماتِ، وَلا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوابُ السُّدَدِ".
فقال عمر بن عبد العزيز: لقد نكحت المتنعمات؛ فاطمة بنت عبد الملك، وقد فتحت لي السدد إلا أن يرحمني الله عز وجل، لا جرم لا أدهن
(1) تقدم تخريجه.