وروى الإِمام أحمد في"الزهد"عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أنه قال: يا حبذا نوم الأكياسِ وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصيامهم؟ ولَمِثْقال ذرة من صاحب تقوى ويقين، أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين [1] .
وصدق - رضي الله عنه -؛ فإن نوم الأكياس -وهم الفطناء أولو الألباب - وإفطارهم يكون بنية صالحة، ولغرض صحيح، فهما أفضل من سهر المتكلف وصومه.
وقد أطلق أبو الدرداء عليه اسم الحمق؛ لأنه يضرب في حديد بارد لم يعقل قوله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِئٍ مَا نَوَى" [2] ، ولم يعمل بمقتضاه، ولو كان له عقل وكَيْسٌ لعقل هذا وغيره عن الله تعالي ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن هنا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَفْلَحَ مَنْ رُزِقَ لُبًّا". وفي رواية:"قَدْ أَفْلَحَ". رواه البخاري في"تاريخه"، والبيهقي في"شعبه"عن قرة بن هبرة - رضي الله عنه - [3] .
و (قد) لتحقيق حصول الفلاح، وهو العون والبقاء في الخير لذوي الألباب، ومهما حصل لهم فيما بين ذلك من مشقة، فإن الله تعالى يأخذ
(1) رواه الإِمام أحمد في"الزهد" (ص: 138) .
(2) تقدم تخريجه.
(3) تقدم تخريجه.