في جمع مفرداتها وفرزها الطريقة التاريخية، فأوردناها وفقا لتسلسل ولاداتها الزمنية (من 815 حتى 1482 م) . وهي تعكس ضمنا تراث المنقول عن اليونانية إلى السريانية والعربية. فيلحظ خطّ كل لفظ ومسلكه التصاعدي بأصله وتفرعاته كافة.
بواسطة الصوغ القياسي- التوليدي، واختيار الحروف الأقرب بيانا في قوالبها الكلامية عن قصود النفس ومرامي العقل، طوّع فلاسفة العرب والناقلون قبلهم اللغة العربية تمشّيا مع مقتضيات العلوم الدخيلة ومراميها. فوضعوا إسما لكل مخترع، واصطلاحا لكل فكرة أو معنّى، وأعادوا تاليا بناء عالمهم الفكري بآفاقه العملية طبقا لذهنيتهم المتجدّدة بين الأصيل والوافد. فكان أن نمت بين العقل الباطن وتجلّياته اللغوية علاقات منطقية- وضعية إلى جانب تلك التي عهدوها في بداوتهم. بذلك انفتحت أمام الفكر العربي والإسلامي مجالات مستجدة- سموا بها إلى ما وراء واقعهم دون الانسلاح عنه. فتلاقت الآفاق الفكرية مع تلك اللغوية المعبّرة عنها، وتوفّرت الوسائل التعبيرية إغناء للمدلول اللفظي المعبّر عن المكنون الذهني والوجداني.
إن هذه الملاقحة المخضرمة للمصطلح الفلسفي، الجامع بين البديء بالطبع والوليد بالوضع، أضفت عليه ميّزات فريدة وأكسبته أبعادا طبعت معالم الفكر الفلسفي طيلة قرون ما زلنا نغرف من منابعها في كتاباتنا ونقولنا. لقد أتت صياغة اللغة الفلسفية بعيدة بعض الشيء عن تلك التي عهدناها في القواعد العربية والنحوية لدى الأعراب. فمن يدقّق في نصوص النقلة والفلاسفة الأوائل، يفتقد إلى فصاحة اللغة، وسلاسة التعبير، وجمالية الأداء اللفظي. وسيلمس مقتني هذه الموسوعة بمفرداتها الغنية، وعن قرب، كيف صيغت العبارة الفلسفية وفقا لبنية اللغتين اليونانية والسريانية في البدايات؛ ومن ثمّ كيف طبعت بذهنية التركي والفارسي والأعجمي بشكل عام وهم لا يتقنون فنون اللسان العربي بيانيّا.
لقد تحوّلت الألفاظ الفلسفية مع هؤلاء، لا إلى المجاز البلاغي المشروع عند أهل النحو والأدب، إنما إلى المجاز العقلي الذي انسكب في قوالب منطقية وماورائية كما حدّدها الفارابي مثلا في كتابي «الحروف» و «الألفاظ المستعملة في المنطق» .
فعندما تزاحمت المعاني في أذهان أصحاب الفكر والعلوم والفنون، وتشابكت في دراساتهم عوالم الفلسفة والدين، وجدناهم يستحثّون لسانهم لهضم الموروث مع