فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 1029

الصوفي، المعنى الفلسفي، البعد الشرعي، الاتجاه المنطقي. وبذلك يثبت قولنا من أن المصطلح الفلسفي كالعلّة، والحدّ، والبرهان، والنفس، قد تسرّب إلى مختلف العلوم ليطبعها بسمته ويطوّرها في اتجاه الأسمى والأرفع، نظرا إلى مدى ملاصقة الكلمة العربية بواقعها المباشر أصلا.

هكذا تطوّرت اللغة العربية بفعل اقتحام العقل العربي مجالات علوم عدّة، لا سيما من حيث إعادة ربط اللغة الأصل بالطارئ عليها من معان ومضامين جديدة. مما أدّى إلى إبراز النحاة والمناطقة والفلاسفة مطواعية هذه اللغة، على الرغم من اختلافهم حول مشروعية قيام الفلاسفة، حسبما يدّعون، باختراع لغة وضعية وزجّها ضمن اللغة الطبيعية الأصلية أو إلى جانبها لكأن في الأمر بدعة. والحال أن عمليات الاشتقاق والنحت والتوليد والقلب النحوية هي التي خوّلت هؤلاء، تأدية لأغراضهم الفكرية التحليلية، أن يستغلّوا هذه العمليات مطوّرين لغتهم ولكن من خلال عبقريتها الذاتية الفريدة وفي ضوء الوافد عليهم من معان.

غلب على المؤلّفات الفلسفية العربية، كما على سائر العلوم الشرعية لا سيما الفقهية منها، طابع التعريف اللغوي ابتداء. فكدنا لا نقع على مصنّف فكري إلّا وللغة حصّة فيه: من تحديدات عامة، إلى رسوم خاصة، إلى شروحات لفظية ولغوية وتركيبية تأدية للمعاني اللاحقة. والبارز في هذه الظاهرة أن كل عالم كان يريد أن يتثبّت من أبعاد اللفظ للدلالة على مزاوجته علمه، نظرا إلى ظاهرة التشابك والتداخل بين العلوم، لا سيما بين منهجياتها وألفاظها يومذاك. وهذا ما جعلنا نستشفّ من خلال تطور المصطلح الفلسفي تشابكه مع مسائل متشعّبة تتجاوز حدوده المرسومة عند اليونانيين سابقا. فهو مصطلح نحوي- منطقي، فقهي- كلامي، ديني- حكمي، معرفي- عرفاني في آن معا. مما حدا بالعقل إلى اختيار اللفظ عينه ربما، لكن ليضفي عليه مدلولات مختلفة تفي بالغرض المنشود ضمن كل علم ومادة. وهذا ما وفّر للمصطلح امتدادات واسعة ربطت المعقول بالمنقول، والمعنى الحقيقي بذاك المجازي، وفقا لتدرّجات الذهن وتجريدات المعرفة على مستوياتها كافة. فلإدراك الطبيعي- الحسي مجموعة ألفاظه ومدلولاته، وللحدس العقلي- الماورائي خواصّه اللغوية العالية، وللتأويل الكلامي- الفكري قاموسه الخاص والعام. حتى بتنا نكشف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت