آخر من التقدّم. وإذا كان ذلك كذلك، فلا يصدق على الوجودين لا أنهما معا، ولا أن أحدهما متقدّم على الآخر (ش، ته، 59، 18) - حصروا (الفلاسفة) التقدّم في أقسام خمسة:- الأوّل، التقدّم بالعلّية. وهو تقدّم العلّة التامّة على معلولها، كتقدّم النار على السخونة. فإنّ السخونة، وإن لم تنفكّ عن النار أبدا، بل يمتنع انفكاكها عنها، لكن بينهما معنى يصحّ عند العقل أن يقال: وجدت النار فوجدت السخونة. ويمنع أن يقال: وجدت السخونة فوجدت النار. فذلك المعنى هو التقدّم العلّي.
-الثاني: التقدّم بالطبع. وهو كون الشيء بحيث يحتاج إليه الآخر. لكن لا يكفي في وجوده، سواء كان داخلا في ماهيّته كتقدّم الواحد على الاثنين، أو لا، كتقدّم سائر العلل الناقصة الخارجة.- الثالث: التقدّم بالزمان.
كتقدّم نوح على محمد عليهما السلام، فإنّ نوحا كان في زمان سابق على محمد.-
الرابع: التقدّم بالشرف. كتقدّم العالم على الجاهل.- الخامس: التقدّم بالرتبة: بأن يكون شيء أقرب إلى مبدأ معيّن من آخر، سواء كان ذلك بحسب العقل- كترتّب الأجناس والأنواع في الصعود والنزول، فإنّ لكل منها مرتبة في العموم والخصوص، لا يمكن عند العقل أن يتغيّر منها إلى مرتبة أخرى.- أو بحسب الوضع، كترتّب الإمام والمأموم، فإنّه يمكن أن ينتقل كل منهما إلى مكان آخر (ط، ت، 96، 6) - التقدّم والمعيّة وصفان إضافيان اعتباريّان (ط، ت، 142، 9)
-إنّ تقدّم الأشياء بعضها على بعض من خمسة أوجه: أحدها بالزمان والكون كما يقال إنّ موسى أقدم من عيسى، والآخر بالطبع كما يقال إنّ الحيوان أقدم من الإنسان، والثالث بالشرف كما يقال الشمس أقدم من القمر، والرابع بالمرتبة كما يقال في العدد إنّ الخمسة أقدم من الستة، والوجه الخامس بالذات كالعلّة والمعلول (ص، ر 1، 329، 8)
تقدّم الباري على العالم
- (عند الفلاسفة) ... إن الباري سبحانه إن كان متقدّما على العالم، فإما أن يكون متقدّما بالسببية، لا بالزمان، مثل ما تقدّم الشخص ظله، وإما أن يكون متقدّما بالزمان مثل تقدّم البنّاء على الحائط. فإن كان متقدّما تقدّم الشخص ظله، والباري قديم، فالعالم قديم.
و إن كان متقدّما بالزمان وجب أن يكون متقدّما على العالم بزمان لا أول له، فيكون الزمان قديما. لأنه إذا كان قبل الزمان زمان فلا يتصوّر حدوثه. وإذا كان الزمان قديما، فالحركة قديمة، لأن الزمان لا يفهم إلا مع الحركة.
و إذا كانت الحركة قديمة، فالمتحرّك بها قديم، والمحرّك لها ضرورة قديم (ش، ته، 58، 15) - قول أبي حامد:"إن تقدّم الباري سبحانه على العالم ليس تقدّما زمانيا"، صحيح. لكن ليس يفهم تأخّر العالم عنه، إذا لم يكن تقدّمه زمانيا إلا تأخّر المعلول عن العلة، لأن التأخّر يقابل التقدّم. والمتقابلان هما في جنس واحد ضرورة على ما سبق في العلوم. فإذا كان التقدّم ليس زمانيا، فالتأخّر ليس زمانيا. ويلحق ذلك الشك المتقدم وهو: كيف يتأخّر المعلول عن العلّة التي استوفت شروط الفعل (ش، ته، 60، 1)