فهرس الكتاب

الصفحة 511 من 1029

و لكنها بحال متى شاء صاحبها واستحضرها بمجرّد تذكّر وتوجّه الذهن إليها، أو تكون تلك النظريات حاضرة بالفعل حاصلة بالحقيقة حتى كأنّ صاحبها ينظر إليها. فالنفس في الحالة الأولى تسمّى عقلا بالفعل وفي الحالة الثانية تسمّى عقلا مستفادا. فإذا أحوال مراتب النفس الإنسانية أربع (ر، م، 367، 12) - النفس الإنسانية لها قوّتان: عاملة وهي القوة التي باعتبارها يدبّر البدن، وعاقلة ولها مراتب.

فأوّلها كونها مستعدّة لقبول الصور العقلية وهذه المرتبة مسمّاة بالعقل الهيولاني. وثانيها أن تحصل فيها التصوّرات والتصديقات البديهية وهي العقل بالملكة وهذه المرتبة مختلفة بحسب كمّية تلك البديهيات وبحسب كيفية قوة النفس على الانتقال منها إلى المطالب.

و ثالثها أن يحصل الانتقال من تلك المبادئ إلى المطالب الفكرية البرهانيّة إلّا أنّ تلك الصور لا تكون حاضرة بالفعل بل تكون بحيث إذا شاء الإنسان أن يستحضرها فعل ذلك وهذه المرتبة هي العقل بالفعل. ورابعها أن تكون تلك الصورة العقلية حاضرة بالفعل ينظر إليها صاحبها وهي المسمّاة بالعقل المستفاد (ر، ل، 72، 12) - العقل المستفاد، وهو عبارة عن القوّة النّظريّة حالة كونها عالمة ومدركة، كحال الإنسان عند كتابته (سي، م، 108، 3) - العقل المستفاد وهو أن يحضر عنده النظريّات التي أدركها بحيث لا يغيب عنه (جر، ت، 158، 8)

-لأن العقل ليس هو شيئا أكثر من إدراك نظام الأشياء الموجودة وترتيبها، ولكنه واجب فيما هو عقل مفارق الّا يستند في عقل الأشياء الموجودة وترتيبها إلى الأشياء الموجودة ويتأخّر معقوله عنها لأن كل عقل هو بهذه الصفة فهو تابع للنظام الموجود في الموجودات ومستكمل به، وهو ضرورة يقصّر فيما يعقله من الأشياء. ولذلك كان العقل منّا مقصّرا عما تقتضيه طبائع الموجودات جارية على حكم العقل، وكان هذا العقل منا مقصّرا عن إدراك طبائع الموجودات، فواجب أن يكون هاهنا علم بنظام وترتيب هو السبب في النظام والترتيب والحكمة الموجودة في موجود موجود.

و واجب أن يكون هذا العقل النظام الذي منه هو السبب في هذا النظام الذي في الموجودات، وأن يكون إدراكه لا يتصف بالكلّية فضلا عن الجزئية، لأن الكلّيات معقولات تابعة للموجودات ومتأخّرة عنها.

و ذلك العقل الموجودات تابعة له، فهو عاقل ضرورة للموجودات بعقله من ذاته النظام والترتيب الموجود في الموجودات لا بعقله شيئا خارجا عن ذاته، لأنه كان يكون معلولا عن الموجود الذي يعقله لا علّة له وكان يكون مقصّرا (ش، ته، 194، 2) - العقل المفارق لا يعقل إلا ذاته وأنه بعقل ذاته يعقل جميع الموجودات إذ كان عقله ليس شيئا أكثر من النظام والترتيب الذي في جميع الموجودات، وذلك النظام والترتيب هو الذي تتقبّله القوة الفاعلة ذوات النظام والترتيب الموجودة في جميع الموجودات، وهي التي تسمّيها الفلاسفة الطبائع. فإنه يظهر أن كل موجود ففيه أفعال جارية على نظام العقل- وترتيبه وليس يمكن أن يكون ذلك بالعرض ولا يمكن أن يكون من قبل عقل شبيه بالعقل الذي فينا بل من قبل عقل أعلى من جميع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت