فإنه إذا تؤمّلت الآيات التي تضمّنت هذا المعنى وجدت تلك الطرق، هي طريق العناية وهي إحدى الطرق التي قلنا بأنها الدالّة على وجود الخالق تعالى. وذلك أنه كما أن الإنسان إذا نظر إلى شيء محسوس فرآه قد وضع بشكل ما، وقدر ما، ووضع ما موافق في جميع ذلك للمنفعة الموجودة في الشكل المحسوس والغاية المطلوبة حتى يعترف أنه لو وجد بغير ذلك الشكل، أو بغير ذلك الوضع، أو بغير ذلك القدر، لم توجد فيه تلك المنفعة- علم، على القطع، أن لذلك الشيء صانعا صنعه، ولذلك وافق شكله ووضعه وقدره تلك المنفعة، وأنه ليس يمكن أن تكون موافقة اجتماع تلك الأشياء لوجود المنفعة بالاتفاق (ش، م، 194، 2) - العالم مصنوع ... لم يمكن أن توجد فيه هذه الموافقة (في جميع أجزائه) لو كان وجوده عن غير صانع، بل عن الاتفاق (ش، م، 195، 7) - هذا النوع من الدليل (العناية) قطعي ...
و ذلك أن مبناه على أصلين معترف بهما عند الجميع: أحدهما أن العالم بجميع أجزائه يوجد موافقا لوجود الإنسان، ولوجود جميع الموجودات التي هاهنا. والأصل الثاني: أن كل ما يوجد موافقا، في جميع أجزائه، لفعل واحد، ومسدّدا نحو غاية واحدة فهو مصنوع ضرورة. فينتج عن هذين الأصلين، بالطبع، أن العالم مصنوع وأن له صانعا. وذلك أن دلالة العناية تدلّ على الأمرين معا. ولذلك كانت أشرف الدلائل الدالة على وجود الصانع (ش، م، 195، 15)
-أما عالم الربوبية فهو عالم العلل والمبادئ الأول. وأما عالم العقل فهو عالم البدايات والمثل الأوليات. وأما عالم النفس فهو الجامع بين ما يتسبّب علمه من الموجود وبين ما يتسبّب الموجود من علمه. وأما عالم الطبيعة فهو عالم المعقولات التي تجب عن المعقولات ولا تتسبّب المعقولات عنها. فعالم الربوبية عالم الأسباب الأولى وعالم الطبيعة عالم المسبّبات القصوى، فذلك عالم الأوائل وهذا عالم الأواخر. وهذا العلم ينظر في ذلك كله من جهة كونه موجودا وبما هو موجود (بغ، م 2، 20، 10)
-العالم النفسي هو يشتمل على جملة كثيرة من ذوات معقولة ليست مفارقة للمواد كل المفارقة بل هي ملابستها نوعا من الملابسة وموادها مواد ثابتة سماوية. فلذلك هي أفضل الصور المادية، وهي مدبّرات الأجرام الفلكية وبواسطتها للعنصرية، ولها في طباعها نوع من التغيّر ونوع من التكثّر لا على الإطلاق وكلّها عشاق للعالم العقلي (س، ر، 136، 4)
-إنّ عالم النفوس متقدّم الوجود على عالم الأجسام (ص، ر 3، 106، 21)
-جمع أرسطو بين الوجود المحسوس والوجود المعقول وقال أن العالم واحد صدر عن واحد، وأن الواحد هو سبب الوحدة من جهة، وسبب الكثرة من جهة (ش، ته، 114، 8) - العالم واحد فالفاعل واحد. فإن الفعل الواحد إنما يوجد عن واحد (ش، م، 158، 3)