كل الإدراكات أو لا تكون خالية. فإن كانت خالية مع أنّها تكون قابلة لتلك الإدراكات فهي كالهيولى التي ليس لها إلّا طبيعة الاستعداد فتسمّى في تلك الحالة عقلا هيولانيّا، وإن لم تكن خالية فلا يخلو: إمّا أن يكون الحاصل فيها من العلوم الأوليّات فقط. أو يكون قد حصلت النظريات مع ذلك. فإن لم تحصل فيها إلّا الأوليّات التي هي الآلة في اكتساب النظريات فتسمّى في تلك الحالة عقلا بالملكة أي لها قدرة الاكتساب وملكة الاستنتاج. ثم أنّ النفس في هذه المرتبة إن تميّزت عن سائر النفوس بكثرة الأوليات وسرعة الانتقال منها إلى النتائج سمّيت قوة قدسية وإلّا فلا. وأمّا إنّ كان قد حصل لها مع تلك الأوليّات تلك النظريات أيضا فلا يخلو:
إمّا أن تكون تلك النظريات غير حاصلة بالفعل ولكنها بحال متى شاء صاحبها واستحضرها بمجرّد تذكّر وتوجّه الذهن إليها، أو تكون تلك النظريات حاضرة بالفعل حاصلة بالحقيقة حتى كأنّ صاحبها ينظر إليها. فالنفس في الحالة الأولى تسمّى عقلا بالفعل وفي الحالة الثانية تسمّى عقلا مستفادا. فإذا أحوال مراتب النفس الإنسانية أربع (ر، م، 367، 7) - القوة القدسية هي النفس التي تكون شديدة القوة على الانتقال من المبادي إلى المطالب بحسب الكمّية وبحسب الكيفية (ر، ل، 73، 2)
-أما القوة المبصرة فقد اختلف الفلاسفة في كيفية إدراكها، فزعمت طائفة منهم أنّها إنّما تدرك بشعاع يبرز عن العين فيلاقي المحسوسات المرئية، وهذه طريقة أفلاطون الفيلسوف. وزعم آخرون: أنّ القوة المتصوّرة تلاقي بذاتها المحسوسات المبصرة. وقال آخرون: إنّ الإدراك البصري انطباع أشباح المحسوسات المرئية في الرطوبة الجليدية من العين عند توسّط الجسم المشف بالفعل عند إشراق الضوء عليه، انطباع الصورة في المرايا، فلو أنّ المرايا كانت ذات قوة باصرة لأدركت الصورة المنطبعة فيها، وهذه طريقة أرسطوطاليس الفيلسوف، وهو القول الصحيح المعتمد (س، ف، 161، 3)
قوة متخيّلة
-القوة المتخيّلة ... تركّب المحسوسات بعضها إلى بعض، وتفصل بعضها عن بعض، تركيبات وتفصيلات مختلفة، بعضها كاذبة وبعضها صادقة، ويقترن بها نزوع نحو ما يتخيّله (الإنسان) (ف، أ، 70، 9) - القوة المتخيّلة ليس لها رواضع متفرّقة في أعضاء أخر، بل هي واحدة، وهي أيضا في القلب، وهي تحفظ المحسوسات بعد غيبتها عن الحس. وهي بالطبع حاكمة على المحسوسات ومتحكّمة عليها، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض، وتركّب بعضها إلى بعض، تركيبات مختلفة، يتّفق في بعضها أن تكون موافقة لما حسّ، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس (ف، أ، 71، 15) - القوة المتخيّلة متوسّطة بين الحاسّة وبين الناطقة، وعند ما تكون رواضع الحاسّة كلها تحسّ بالفعل وتفعل أفعالها، تكون القوة المتخيّلة منفعلة عنها مشغولة بما تورده الحواس عليها من المحسوسات وترسمه فيها. وتكون هي أيضا مشغولة بخدمة القوة الناطقة وبإرفاد القوة النزوعية (ف، أ، 88، 3)