-لا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوته المتخيّلة نهاية الكمال، فيقبل، في يقظته، عن العقل الفعّال، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، ويراها. فيكون له، بما قبله من المعقولات، نبوة بالأشياء الإلهية.
فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيّلة، وأكمل المراتب التي بلغها الإنسان بقوته المتخيّلة (ف، أ، 94، 10) - إنّ القوة المتخيّلة إذا تناولت رسوم المحسوسات من القوى الحاسّة أدركت وأدّت إليها، فتجمعها كلها وتؤدّيها إلى القوة المفكّرة التي مجراها وسط الدماغ حتى تميّز بعضها من بعض وتعرف الحق من الباطل والصواب من الخطأ والضار من النافع، ثم تؤدّيها إلى القوة الحافظة التي مجراها مؤخّر الدماغ لتحفظها إلى وقت الحاجة والتذكار (ص، ر 3، 17، 19) - إنّ القوة المتخيّلة كالموضوعة بين قوتين مستعملتين لها، سافلة وعالية، أمّا السافلة فالحسّ في أنّها يورد عليه صورا محسوسة تشغلها بها، وأمّا العالية فالعقل فإنّه بقوّته يصرفها عن تخيّل الكاذبات التي يوردها الحسّ عليها، ولا يستعملها العقل فيها (س، ف، 120، 3) - القوة المحرّكة في الحيوان الغير الناطق كالأمير المخدوم، والحواس الخمس كالجواسيس المبثوثة، والقوة المتصوّرة كصاحب بريد الأمير إليه يرجع الجواسيس، والقوة المتخيّلة كالفيج الساعي بين الوزير وبين صاحب البريد، والقوة المتوهّمة كالوزير، والقوة الذاكرة كخزانة الأسرار (س، ف، 160، 9) - في الحيوان قوة تركّب ما اجتمع في الحسّ المشترك من الصور، وتفرّق بينها، وتوقع الاختلاف فيها، من غير أن تزول الصور عن الحسّ المشترك. ولا محالة أنّ هذه القوة غير القوة المصوّرة، إذ القوة المصوّرة ليس فيها إلّا الصور الصادقة المستفادة من الحسّ. وقد يمكن أن يكون الأمر في هذه القوة على خلاف هذا، فتتصوّر باطلا كذبا، وما لم تأخذه على هيأته من الحسّ. وهذه القوة هي المسمّاة بالمتخيّلة (س، ف، 166، 14) - في الحيوان قوة تحكم على الشيء بأنّه كذا أو ليس كذا بالجزم، وبها يهرب الحيوان من المحذور، ويقصد المختار. وبيّن أنّ هذه القوة غير القوة المتصوّرة، إذ القوة المتصوّرة تتصوّر الشمس على حسب ما أخذت من الحسّ على مقدار قرصها، والأمر في هذه القوة بخلاف هذا ... وبيّن أيضا أنّ هذه القوة غير المتخيّلة، وذلك أنّ القوة المتخيّلة تفعل أفاعيلها من غير اعتقاد منها أنّ الأمور على حسب تصوراتها، وهذه القوة هي المسماة بالمتوهّمة والظانّة. ثم في الحيوان قوة تحفظ معاني ما أدركته الحواس مثل أنّ الذئب عدو، والولد حبيب وليّ، فمن البيّن أنّ هذه القوة غير المتصوّرة، وذلك أنّ المتصوّرة لا صور فيها إلّا ما استفادتها من الحواس ... وبيّن أنّ هذه القوة غير المتخيّلة، وذلك أنّ المتخيّلة قد تتخيّل غير ما استصوبه الوهم وصدّقه واستنبطه من الحواس، وأما هذه القوة فلا تتصوّر غير ما استصوبه الوهم وصدّقه واستنبطه من الحواس.
و هذه القوة غير المتوهّمة، وذلك لأنّ القوة المتوهّمة ليست تحفظ ما صدّقه شيء آخر، بل تصدّق بذاتها، وأما هذه القوة فإنّها لا تصدّق بذاتها، بل تحفظ ما صدّقه شيء آخر، وهذه