-المعقولات والأقاويل التي بها تكون العبارة عنها يسمّيها القدماء"النطق والقول": فيسمّون المعقولات القول، والنطق الداخل المركوز في النفس والذي يعبّر به عنها القول، والنطق الخارج بالصوت والذي يصحّح به الإنسان الرأي عند نفسه هو القول المركوز في النفس، والذي يصحّحه به عند غيره هو القول الخارج بالصوت (ف، ح، 60، 7) - النطق ... هذه اللفظة تقال عند القدماء على ثلاثة معان: أحدهما القول الخارج بالصوت، وهو الذي به تكون عبارة اللسان عما في الضمير. والثاني القول المركوز في النفس، وهو المعقولات التي تدل عليها الألفاظ.
و الثالث القوة النفسانية المفطورة في الإنسان، التي بها يميّز التمييز الخاص بالإنسان دون ما سواه من الحيوان، وهي التي بها يحصل للإنسان المعقولات والعلوم والصنائع، وبها تكون الرويّة، وبها يميّز بين الجميل والقبيح من الأفعال. وهي توجد لكل إنسان حتى في الأطفال، لكنها نزوة لم تبلغ بعد أن تفعل فعلها: كقوة رجل الطفل على المشي (ف، ح، 62، 12) - الفكر من خصائص النفس الناطقة. والنطق في النفس بتصفّح العقل بنور ذاته، والحسّ رائد النفس بالوقوع على خصائصه (تو، م، 203، 7) - النطق من أفضل الصنائع البشرية (ص، ر 1، 309، 7) - أمّا النطق فإنّ الموضوع فيه جواهر النفس الجزئية الحيّة وتأثيراته فيها روحانية مثل الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والمديح والهجاء (ص، ر 1، 309، 13) - من فضيلة النطق أيضا أنّه كاد أن يكون مطابقا للموجودات كلها كمطابقة العدد للمعدودات، والدليل على ذلك كثرة اللغات واختلاف الأقاويل وفنون تصاريف الكلام مما لا يبلغ أحد كنه معرفتها إلّا اللّه عزّ وجلّ (ص، ر 1، 310، 13) - إنّ المنطق مشتقّ من نطق ينطق نطقا. والنطق فعل من أفعال النفس الإنسانية. وهذا الفعل نوعان فكري ولفظي. فالنطق اللفظي هو أمر جسماني محسوس، والنطق الفكري أمر روحاني معقول (ص، ر 1، 310، 20) - أمّا النفس العاقلة الإنسانية، المسمّاة عندهم (الفلاسفة) بالناطقة، والمراد بالناطقة العاقلة لأنّ النطق أخصّ ثمرات العقل في الظاهر، فنسبت إليه. فلها قوّتان: قوة عالمة وقوة عاملة، وقد تسمّى كل واحدة عقلا ولكن باشتراك الاسم. فالعاملة: قوة هي مبدأ محرّك لبدن الإنسان، إلى الصناعات المرتّبة الإنسانية المستنبط ترتيبها بالرويّة الخاصة بالإنسان.
و أمّا العالمة: فهي التي تسمّى النظرية، وهي من شأنها أن تدرك حقائق المعقولات المجرّدة عن المادة والمكان والجهة، وهي القضايا الكلّية التي يسمّيها المتكلّمون"أحوالا"مرة، و"وجوها"أخرى، ويسمّيها الفلاسفة"الكلّيات المجرّدة" (غ، ت، 181، 17) - إنّ النطق معنى آخر زائد على معنى الكلام والقول، وذلك أنّ الجنين يوصف بالنطق لأنّه ناطق، ولو لم يكن ناطقا لما عدّ من الناس (غ، ع، 27، 3) - النطق أثر من العقل الكلّي (غ، ع، 30، 11) - النطق ليس هو صورة العبارة، ولا نفس الإشارة، ولا شكل الحروف، ولا تقطيع الأصوات، بل النطق هو تمكّن النفس الإنسانية