هناك تحوّل ولّدته الفلسفة يوم دخلت بين ثنايا الفكر العربي والإسلامي عموما، وخرّجه المصطلح الفلسفي إبّان تطويره الاصطلاح اللغوي خصوصا. صبغ هذا المصطلح العلوم على أنواعها: نقلية كانت أم عقلية، إنسانية أم لسانية. تمّ ذلك في مجالات الطبيعيات، والنفسانيات، والمنطقيات، والإلهيات، فضلا على العلوم البحتة أصيلة ودخيلة. وهذا دليل ساطع على شمولية هذا المصطلح لمختلف ميادين الفكر النظري والسلوك العملي، على الصعيدين الفردي والجماعي. في هذا المنحى بالذات ذكر هردر ( redreH) أن اللغة ليست أداة للفكر فحسب، إنما هي أيضا القالب الذي يتشكّل فيه الفكر وينظّم تجربة الجماعة وحياة المجتمع. نعم إن اللغة تعيد حقا تأطير الأفكار، والتجارب الحسية، والوقائع الوجدانية على نحو يتلاءم مع معقولات الذهن وهواتف القلب المتجسدين في اللسان.
و هكذا قيّض للعرب بواسطة الحكمة الفلسفية، وفقا للتقليد اليوناني، أن تتم لهم أشرف المعارف عن طريق الفلسفة الأولى ابتداء، والتي عرّفها أرسطو بأنها معرفة العلل الأولى والجواهر للكشف عن طبيعة العلل الثواني والأغراض الذاتية. بلوروا ذلك المكنوز بأشرف الوسائل المعرفية، عنينا المنهجيات الفلسفية والمنطقية من عمليات إذتهان وتجريد عبر التوارد بين الأفكار والصور والتخصيص والتعميم. وقد استعملوا لهذا الغرض مصطلحات غطّت ميادين التجربيات والحدسيات والذهنيات، لا سيما علاقات تعيّن الكليات في الأشخاص والمثالات التابعة لها في النفس.
حرّروا ذلك بواسطة قوانين المنطق الصوري والطبيعي، الاستنباطي والاستقرائي. إن هذه الحكمة الفلسفية خوّلت الفكر العربي باتجاهاته العلمية والعملية، الحسية والعقلية، الطبيعية والماورائية، أن يجد في اللغة الفلسفية صيغه وقوالبه وتراكيبه ودلالاته المختلفة. فاستوعب المستجدّ الثقافي وكيّفه مع موروثه الحضاري والديني.
لقد تلاقت من خلاله الثقافات والديانات والأساطير والعلوم والفنون، فترجمها اللسان