المتوارث، لا سيما عندما لم يسعفهم المدخّر من ألفاظهم على التعبير المعمّق عن الدخيل من الثقافة. فأكثروا من الترادف والتواطؤ والتشكيك في استعمال المفردات إيفاء بإيجاد الوسائل التعبيرية الكافية لكل علم وطريق معرفة. فأمسى المشترك من الأسماء يغطّي معظم علاقات التناسب والتطابق والتوازن بين الموجودات من جهة، ومدلولات كل مسألة وعلم من جهة ثانية كالمقولات العشر، والكليات الخمس، ودرجات المعرفة والأنفس والعقول والحواس في تأدية وظائفها المختلفة. وعندما كانت المواد الفلسفية نابعة من فكر تحليلي جامع وشامل، جاءت أدوار الألفاظ المستعملة مفتوحة على الحلقات والدوائر المعرفية على أنواعها كافة. وما النماذج اللغوية التي وردت في الموسوعة سوى شواهد على خصوصية اللغة الفلسفية من خلال إشكالية الازدواجية والتكامل بين الطبيعي منها المستلّ من جذوره وذاك الوضعي المخضرم لتلوّنه بالدخيل.
هناك نزعات فكرية عربية وإسلامية كامنة وراء الصيغ الكلامية والمجموعات اللفظية المعبّرة عنها، سوف يستلّها المطّلع على مفردات هذه الموسوعة بأصولها وتفرّعاتها، بالثابت منها والمتحوّل. فقد اجتهد علماء العرب على أنواعهم، نقلا وعقلا، ولإدراك الحقائق، الانطلاق من المحسوس وصولا إلى الأسباب الأولى وبالعكس على خطين متوازيين: جدلي صاعد وجدلي هابط. لكنهم أجمعوا على بناء صروحهم المعرفية على المشاهدات العينية ومطابقتها مع المذتهنات توخّيا لضبط الأحكام الصادقة وتصوييها عند الضرورة. وهذا ما يفسّر إكثارهم من استعمال التأويل اللغوي- اللفظي والمعنوي- المادي. فتردّدت عندهم مرادفات الواقع الحسّي الغنية إلى حدّ أنهم ربطوا عملية التجريد بالتمثيل النفسي والعيني كي لا يقعوا في حبائل العلويات بمنأى عن تحقّقها في السفليات. فالاستقراء والمماثلة والمضايفة عمليات ذهنية تعبّر أفضل تعبير عن الواقع المتحرّك الذي عنه نستلّ مقولات الفكر التجريبي والصوري. ولم يكن لجوه مفكّري العرب إلى عقول مفارقة كالعقل الفعّال إلا استكمالا لعملية التجريد التي تفوق العقل الإنساني المحدود. وهذا ما تبيّن لنا من خلال رصدنا للمصطلح الفلسفي إذ وجدنا أن كل تصديق عقلي مجتزأ لا مجال لاستكماله سوى باللجوء إلى خبر علوي يصدر عنه نور اليقين. وبنية الجملة أتت أصلا في العربية خبرية تصل بين قائل وسامع، أو محدّث ومستمع. أما الاستدلال فليس سوى مجاراة الدليل ليوصلنا إلى المدلول ضمن أطر معرفية- عرفانية. إن هذا المنحى يبرّر قولنا بتضايف أنواع المعارف والعلوم عند العرب، وقد حلّت بينها الفلسفة لتوحّد