فيصير في أقرب مرتبة إليه (ف، سم، 55، 5) - العقل الفعّال هو فيما يعطيه الإنسان على مثال ما عليه الأجسام السماويّة. فإنه يعطي الإنسان أوّلا قوّة ومبدأ به يسعى أو به يقدر الإنسان على أن يسعى من تلقاء نفسه إلى سائر ما يبقى عليه من الكمالات. وذلك المبدأ هو العلوم الأول والمعقولات الأول التي تحصل في الجزء الناطق من النفس (ف، سم، 71، 14) - فعل هذا العقل المفارق في العقل الهيولاني شبيهه فعل الشمس في البصر، فلذلك سمّي العقل الفعّال. ومرتبته من الأشياء المفارقة التي ذكرت من دون السبب الأول المرتبة العاشرة (ف، أ، 84، 1) - العقل الفعّال، لما كان هو السبب في أن تصير به المعقولات التي هي بالقوة معقولات بالفعل، وأن يصير ما هو عقل بالقوة عقلا بالفعل، وكان ما سبيله أن يصير عقلا بالفعل هي القوة الناطقة، وكانت الناطقة ضربين:
ضربا نظريّا وضربا عمليّا، وكانت العملية هي التي شأنها أن تفعل الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، والنظرية هي التي شأنها أن تعقل المعقولات التي شأنها أن تعلم، وكانت القوة المتخيّلة مواصلة لضربي القوة الناطقة، فإن الذي تنال القوة الناطقة عن العقل الفعّال- وهو الشيء الذي منزلته الضياء من البصر- قد يفيض منه على القوة المتخيّلة (ف، أ، 91، 14) - يكون ما يعطيه العقل الفعّال للقوة المتخيّلة من الجزئيات، بالمنامات والرؤيات الصادقة، وبما يعطيها من المعقولات التي تقبلها بأن يأخذ محاكاتها مكانها بالكهانات على الأشياء الإلهية (ف، أ، 92، 11) - لا يمتنع أن يكون الإنسان، إذا بلغت قوته المتخيّلة نهاية الكمال، فيقبل، في يقظته، عن العقل الفعّال، الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، ويراها. فيكون له، بما قبله من المعقولات، نبوة بالأشياء الإلهية.
فهذا هو أكمل المراتب التي تنتهي إليها القوة المتخيّلة، وأكمل المراتب التي بلغها الإنسان بقوته المتخيّلة (ف، أ، 94، 7) - اسم العقل يدلّ على معان، وتنقسم تلك المعاني إلى أقسام بحسب ما ينقسم كل ذي عقل. وذلك له ابتداء وانتهاء: وأحدها وهو بمعنى الابتداء بالطبع، هو العقل الفعّال، وهو الشبه الفاعل. والثاني بحسب الانتهاء، وهو العقل الإنساني ويسمّى هيولانيّا، وهو في نسبة المفعول. والثالث بحسب معنى الوسط وهو العقل المستفاد وهو في نسبة الفعل (تو، م، 289، 10) - إنّ في قوة كل واحد من هذه العقول الجزئية أن يدرك جميع المعقولات التي من شأنها أن تدرك. ولما كان الذي بالقوة يحتاج إلى شيء موجود بالفعل يخرجه إلى الفعل، كان ذلك الشيء هو العقل الفعّال إذا اشتبه بفعل في شبيهه والمستفاد بمنزلة الفعل الملابس القوة والفعل جميعا (تو، م، 289، 17) - إنّ الباري جلّ ثناؤه أول شيء اخترعه وأبدعه من نور وحدانيته جوهر بسيط يقال له العقل الفعّال، كما أنشأ الاثنين من الواحد بالتكرار، ثم أنشأ النفس الكلّية الفلكية من نور العقل كما أنشأ الثلاثة بزيادة الواحد على الاثنين، ثم أنشأ الهيولى الأولى من حركة النفس، كما أنشأ الأربعة بزيادة الواحد على الثلاثة، ثم أنشأ سائر الخلائق من الهيولى ورتّبها بتوسّط العقل