موجودا بعد أن كان معدوما، ومن شيء سمّوه صورة، وهو المعنى الذي به صار موجودا بعد أن كان معدوما، ومن شيء سمّوه مادة، وهو الذي منه تكوّن. وذلك أنهم ألفوا كل ما يتكوّن هاهنا إنما يتكوّن من موجود غيره، فسمّوا هذه مادة، ووجدوه أيضا يتكون عن شيء فسمّوه فاعلا، ومن أجل شيء سمّوه أيضا غاية، فأثبتوا أسبابا أربعة. ووجدوا الشيء الذي يتكوّن به المتكوّن، أعني صورة المتكوّن والشيء الذي عنه يتكوّن وهو الفاعل القريب له واحدا، إما بالنوع، وإما بالجنس. أما بالنوع فمثل: أن الإنسان يولد إنسانا، والفرس فرسا، وأما بالجنس، فمثل: تولّد البغل عن الفرس، والحمار (ش، ته، 128، 20) - الفاعل إنما هو فاعل من جهة ما هو موجود بالفعل، لأن المعدوم لا يفعل شيئا (ش، ته، 135، 1) - إن قيل اسم الفاعل على الذي في غير هيولى والذي في هيولى فباشتراك الاسم، فهذا يبيّن لك جواز صدور الكثرة عن الواحد (ش، ته، 138، 3) - الفاعل قد يلفى صنفين: صنف يصدر منه مفعول يتعلّق به فعله في حال كونه، وهذا إذا تم كونه استغنى عن الفاعل، كوجود البيت عن البناء. والصنف الثاني إنما يصدر عنه فعل فقط ويتعلّق بمفعول لا وجود لذلك المفعول إلا بتعلّق الفعل به، وهذا الفاعل يخصّه أن فعله مساوق لوجود ذلك المفعول، أعني أنه إذا عدم ذلك الفعل عدم المفعول، وإذا وجد ذلك الفعل وجد المفعول، أي هما معا. وهذا الفاعل أشرف وأدخل في باب الفاعلية من الأول، لأنه يوجد مفعوله ويحفظه، والفاعل الآخر يوجد مفعوله ويحتاج إلى فاعل آخر يحفظه بعد الإيجاد، وهذه حال المحرّك مع الحركة والأشياء التي وجودها إنما هو في الحركة (ش، ته، 154، 10) - وجدوا (الفلاسفة) أن الفعل متقدّم على القوة لكون الفاعل متقدّما على المفعول. ونظروا في العلل والمعلولات أيضا فأفضى بهم الأمر إلى علّة أولى هي بالفعل السبب الأول لجميع العلل. فلزم أن يكون فعلا محضا والّا يكون فيها قوة أصلا، لأنه لو كان فيها قوة لكانت معلولة من جهة وعلّة من جهة فلم تكن أولى (ش، ته، 205، 16) - هيهات لا فاعل هاهنا إلا اللّه إذ كان مخترع الأسباب. وكونها أسبابا مؤثّرة هو بإذنه وحفظه لوجودها (ش، م، 203، 11) - لا فاعل إلا اللّه هو مفهوم يشهد له الحس والعقل والشرع. أما الحس والعقل فإنه يرى أن هاهنا أشياء تتولّد عنها أشياء، وأن النظام الجاري في الموجودات إنما هو من قبل أمرين: أحدهما ما ركّب اللّه فيها من الطبائع والنفوس. الثاني من قبل ما أحاط بها من الموجودات من خارج. وأشهر هذه هي حركات الأجرام السماوية، فإنه يظهر أن الليل والنهار والشمس والقمر وسائر النجوم مسخّرات لنا، وأنه لمكان النظام والترتيب الذي جعله الخالق في حركاتها كان وجودنا ووجود ما هاهنا محفوظا بها، حتى أنه لو توهّم ارتفاع واحد منها، أو توهّم في غير موضعه، أو على غير قدره، أو في غير السرعة التي جعلها اللّه فيه، لبطلت الموجودات التي على وجه الأرض، وذلك بحسب ما جعل اللّه في طباعها من ذلك وجعل في طباع ما هاهنا أن تتأثّر عن تلك. وذلك ظاهر جدا في الشمس والقمر، أعني تأثيرهما فيما هاهنا (ش، م،