الدُّهَاةِ الْمُفْرِطِينَ فِي الْحِذْقِ وَالدَّهَاءِ وَأَعْمَالِ الْحِيَلِ"."
[ قُلْت ] لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ شَدِيدَ الذَّكَاءِ كَلَّفَ الرَّعِيَّةَ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ لِنُفُوذِ نَظَرِهِ فِيمَا وَرَاءَ مَدَارِكِهِمْ وَتَقْدِيرِهِ نَتَائِجَ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ فِي مَبَادِيهَا بِأَلْمَعِيَّتِهِ فَيَهْلَكُونَ لِذَلِكَ ، وَقَدْ أَرْشَدَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إلَى كُلِّ حِكْمَةٍ وَنِظَامٍ قَوِيمٍ فَقَالَ: { سَدِّدُوا } أَيْ اقْتَصِدُوا فِي الْأُمُورِ وَتَجَنَّبُوا الْإِفْرَاطَ وَالتَّفْرِيطَ { وَقَارِبُوا } أَيْ لَا تَبْلُغُوا النِّهَايَةَ فِي الْأَعْمَالِ دَفْعَةً بَلْ تَقَرَّبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَشَيْئًا لِئَلَّا تَمَلُّوا .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: { سِيرُوا عَلَى سَيْرِ أَضْعَفِكُمْ } وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُرْشِدُنَا إلَى التَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ وَمُخَاطَبَةِ النَّاسِ بِمَا يَفْهَمُونَ وَيَعْقِلُونَ وَمُعَامَلَتُهُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّفْقِ .
فَشِدَّةُ الذَّكَاءِ عَيْبٌ فِي صَاحِبِ السِّيَاسَةِ لِأَنَّهُ إفْرَاطٌ فِي الْفِكْرِ كَمَا أَنَّ الْبَلَادَةَ إفْرَاطٌ فِي الْجُمُودِ وَالطَّرَفَانِ مَذْمُومَانِ مِنْ كُلِّ صِفَةٍ إنْسَانِيَّةٍ وَالْمَحْمُودُ هُوَ التَّوَسُّطُ كَمَا فِي الْكَرَمِ مَعَ التَّبْذِيرِ وَالْبُخْلِ ، وَكَمَا فِي الشَّجَاعَةِ مَعَ الْهَوَجِ وَالْجُبْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ .
( الشَّرْطُ السَّادِسُ ) وُقُوعُ الدَّعْوَةِ مِنْ شُجَاعٍ ( مِقْدَامٍ ) عَلَى الْقِتَالِ كَمَا قُلْنَا مِنْ غَيْرِ هَوَجٍ وَلَا جُبْنٍ مَتَى احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ .
لَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُبَاشِرًا لِلْقِتَالِ بِنَفْسِهِ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ لَهُ شَجَاعَةٌ وَثَبَاتٌ فِي قَلْبِهِ فَلَا يَغْلِبُهُ الْفَشَلُ حَالَ الْحَرْبِ فَيَسْرِي جُبْنُهُ إلَى غَيْرِهِ وَتَعُمُّ بِذَلِكَ الْبَلْوَى بَلْ يَكُونُ ثَابِتَ الْجِنَانِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ فِي تِلْكَ الْحَالِ .
وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَامًا ( حَيْثُ يَجُوزُ السَّلَامَةُ ) وَعَدَمُهَا فَلَا يَجْبُنُ