( فَصْلٌ ) ( وَإِنَّمَا يُقَلِّدُ ) مَنْ حَصَلَ فِيهِ شَرْطَانِ ( أَوَّلُهُمَا ) قَوْلُهُ ( مُجْتَهِدٌ ) وَهُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ جَمَعَ عُلُومًا خَمْسَةً ( أَوَّلُهَا ) : عِلْمُ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ نَحْوٍ وَتَصْرِيفٍ وَلُغَةٍ ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَرَبِيَّةُ الدَّلَالَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا إلَّا بِمَفْهُومِ كَلَامِ الْعَرَبِ إفْرَادًا وَتَرْكِيبًا ، وَاَلَّذِي يَحْتَاجُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
( وَثَانِيهَا ) : عِلْمُ الْآيَاتِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَقَدْ قُدِّرَتْ خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ قَالَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْنِي الَّتِي هِيَ وَارِدَةٌ فِي مَحْضِ الْأَحْكَامِ وَتُؤْخَذُ مِنْ ظَوَاهِرِهَا وَصَرَائِحِهَا .
فَأَمَّا مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ مَعَانِي سَائِرِ الْقُرْآنِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا كَثِيرَةٌ وَاسِعَةٌ إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِي كَمَالِ الِاجْتِهَادِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَا يَجِبُ فِي الْخَمْسِمِائَةِ أَنْ تُحْفَظَ غَيْبًا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِمَوَاضِعِهَا مِنْ السُّوَرِ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ وِجْدَانِهَا عِنْدَ الطَّلَبِ مِنْ دُونِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى السُّوَرِ جَمِيعًا .
( وَثَالِثُهَا ) أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَلْزَمُ الْإِحَاطَةُ بَلْ يَكْفِيهِ أَحَدُ كُتُبِ السُّنَنِ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتَهَرَ بِالصِّحَّةِ وَالِاعْتِمَادِ ، وَلَا يَلْزَمُ فِي حِفْظِ السُّنَّةِ إلَّا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَاتِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ غَيْبُهَا بَلْ يَكْفِي إمْكَانُ وِجْدَانِ الْحَدِيثِ الَّذِي يَعْرِضُ طَلَبُهُ فِي بَابِهِ إذَا كَانَ الْكِتَابُ مُبَوَّبًا مِنْ دُونِ مُرُورٍ عَلَى الْكِتَابِ .
( وَرَابِعُهَا ) الْمَسَائِلُ الَّتِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ الَّتِي تَوَاتَرَ إجْمَاعُ مُجْتَهِدِي