وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَوُجُوبُ الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ ظَنِّيٌّ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ وَأَمَّا دَارُ الْحَرْبِ فَوُجُوبُ الْهِجْرَةِ عَنْهَا بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ سَبْيُ الْحَرْبِيِّ كَيْفَ أَمْكَنَ سَوَاءٌ وَجَدْنَاهُ بِدَارِنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا شِبْهِ أَمَانٍ كَالرَّسُولِ مِنْهُمْ إلَيْنَا أَمْ وَجَدْنَاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِالْغَلَبَةِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِمْ وَقْتَ الْحَرْبِ أَمْ بِالتَّلَصُّصِ أَمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ إذَا كَانَ الْأَخْذُ غَيْرَ مُؤَمَّنٍ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ دَارُ إبَاحَةٍ فِيمَا بَيْنَ الْكُفَّارِ وَفِيمَا بَيْنَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُ كُلٌّ فِيهَا مَا ثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ مِنْ آدَمِيٍّ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَلَا يَجُوزُ فِي دَارِ الْكُفْرِ أَخْذُ الْمَالِ مِنْهَا وَلَا السَّبْيُ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ إبَاحَةٍ إذْ الْوَاصِلُ إلَيْهِمْ فِي حُكْمِ الْمُؤَمَّنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا فِي بَيَانِ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّ أَمَانَهُمْ لِمُسْلِمٍ أَمَانٌ لَهُمْ مِنْهُ فَلَا يَغْنَمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ لَهُمْ بِالْمَالِ فَبِالْأَوْلَى دَارُ الْكُفْرِ ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي بَنِي الْإِنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ لَا الرِّقِّيَّةُ وَقَدْ نَدَبَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كَثِيرٍ مِنْ آيَاتِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ الْأَمِينِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْإِعْتَاقِ تَقَرُّبًا إلَى رِضَاهُ لِغَيْرِ سَبَبٍ أَوْ تَكْفِيرًا لِذَنْبٍ يَسِيرٍ اقْتَرَفْنَاهُ وَمِنْ ذَلِكَ الْمُثْلَةُ وَهُوَ أَنَّ السَّيِّدَ إذَا لَطَمَ مَمْلُوكَهُ فِي وَجْهِهِ أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ بِإِعْتَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ مَمْلُوكُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْإِعْتَاقِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي فَصْلِ ( 314 ) وَلَمْ يَحُثَّنَا عَلَى الِاسْتِرْقَاقِ بَلْ جَعَلَهُ مُبَاحًا لَنَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ فَصْلِ ( 461 ) فَحِينَئِذٍ الِاسْتِرْقَاقُ الْمَعْهُودُ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ كَالْحَبَشَةِ وَنَحْوِهَا بَاطِلٌ وَالتَّسَرِّي بِالنِّسَاءِ اللَّاتِي