وقولي: (البَدَن) : احتراز من عبادة القلب؛ وهي الإيمان، فإنَّه أفضل العبادات، ولا يقال في العرف: إنَّه من عمل البدن، قال الفقيه العلَّامة [31] ابن الرفعة في قول صاحب «التَّنبيه» : (أفضل عبادات البدن) : (وقد ادَّعى بعضهم أنَّه احتُرِز عنِ العبادات الماليَّة، فإنَّها أفضل من الصَّلاة؛ لتعدِّي نفعها) ، قال: (فإنْ صحَّ هذا؛ فمنه يؤخذ أنَّ العبادة المشتملة على المال والبدن أفضل من المتمحِّضة، وهي الحجُّ؛ لجمعها بين الأمرين) ، وبه صرَّح القاضي الحسين [32] في أوَّل (الحجِّ) ، ولأنَّا دُعينا [33] إليه في أصلاب آبائنا، فكان كالإيمان الذي جعل فيه كذلك، قال: (وهذه العلَّة تقتضي أنَّ الجهاد لا يلحق الحجَّ في هذا المعنى، والأُولى تقتضي أنَّه كهو؛ لأنَّه يشتمل على عمل بدن ومال، وحينئذٍ يكون أفضل من الصَّلاة، بل أقول: إنَّ الخبر يدلُّ على أنَّه يُقدَّم [34] عليه؛ حيث سُئل عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام عن أفضل الأعمال، فقدَّمه على الحجِّ) انتهى، وبه قال ابن أبي عُصرون، قال النَّوويُّ في شرح «المهذَّب» : (والمذهب الصَّحيح أنَّ الصَّلاة أفضل من الصَّوم وسائر عبادات البدن، كما جزم به الشيخ؛ لأحاديث؛ فذكرها، وقال صاحب «المستظهريِّ» في(الصِّيام) : (اختُلِف في الصَّوم والصَّلاة أيُّهما أفضل؛ فقال [35] قوم: الصَّوم أفضل) انتهى، وهو [36] ما جزم به الماورديُّ فيه؛ حيث قال: الصَّوم أفضل أعمال القرب، وقال آخرون: الصَّلاة أفضل، وقال آخرون: الصَّلاة بمكَّة أفضل، والصَّوم بالمدينة أفضل، والأوَّل أصحُّ، قال ابن الرفعة: وادَّعى الماورديُّ في (الحجِّ) أنَّ الطواف أفضل من الصَّلاة، ورجَّحه ابن عبد السَّلام، وللغزاليِّ في المسألة كلام، وكذا لابن عبد السَّلام، وبه يطول الكلام.