(بابُ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ... إلى (كِتَابُ التَّفْسِير)
اعلم أنَّه صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم [لمَّا] قفل من حجَّة الوداع؛ أقام بالمدينة بقيَّة ذي الحجَّة والمحرَّم وصفرًا، ثُمَّ ابتُدِئ بشكواه الذي قبضه الله فيه في ليالٍ بقين من صفر أو في أوَّل شهر ربيع الأوَّل، وابتداء الوجع ينبني على كم أقام مريضًا، وقد صرَّح الحاكم أبو أحمد بأنَّه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتتامَّ به وجعه وهو يدور على نسائه حتَّى استُعِزَّ به، وهو في بيت ميمونة، ودعا نساءه، واستأذنهنَّ أن يُمرَّض في بيت عائشة، فأذنَّ له، فخرج ورجلاه تخطَّان في الأرض، ثُمَّ غُمِرَ وتُوُفِّيَ رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم.
واختلف أهل العلم في اليوم الذي مات فيه بعد اتَّفاقهم على أنَّه يومُ الاثنين في ربيع الأوَّل؛ فذكر الواقدي وجمهورُ الناس: أنَّه الثاني عشر، وتعقَّبه السهيليُّ بتعقُّبٍ حسنٍ، وقد أجاب عنه بعض شيوخ شيوخنا بجواب فيه نظر، قال الطبريُّ: يوم الاثنين لليلتين مضتا من ربيع الأوَّل، وسيأتي ما يعارضه، لكنَّه معلول، وهو ما ذكره شيخنا من عند البزَّار من حديث ابن مسعود قال: (تُوُفِّيَ صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم في إحدى وعشرين من رمضان، وكذلك عيسى ويوشع) ، قال شيخنا: وأُعِلَّ، انتهى، وقال أبو بكر الخوارزميُّ: أوَّل يوم منه، حين زاغت الشمس، وقيل: عندما اشتدَّ الضَّحاء، وفي عبارة بعضهم: ضحى يوم الاثنين، والضَّحاء؛ بالفتح والمدِّ: بعد الضحى، وفي «مسلم» : (وتُوُفِّيَ من آخر ذلك اليوم) ، وقد ذكرت جمعًا في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد النَّاس» ، وهو: أنَّ المراد أوَّل النصف الثاني؛ فهو آخر وقت الضحى؛ وهو من آخر النهار باعتبار أنَّه من النصف الثاني، ويدلُّ عليه ما رواه أبو عمر بن عبد البَرِّ بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت: (مات رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم _وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون_ ارتفاع الضحى وانتصافَ النهار يوم الاثنين) ، وذكر موسى بن عقبة في «مغازيه» عن ابن شهاب: تُوُفِّيَ يوم الاثنين حين زاغت الشمس، والله أعلم.