قوله: (بابُ مَنَاقِبِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) : إن قيل: قد ذكر مناقبها بعد (مناقب العبَّاس) ؟
والجوابُ: على تقدير ثبوت ذلك هناك، وقد تَقَدَّم أنَّه الذي يترجح في النظر أنَّه ذكر منقبتها هناك ضمنًا ومعطوفة أيضًا؛ لأنَّه عطفها على مناقب قرابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: (باب مناقب قرابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومنقبة فاطمة) ، وهنا ذكرها مفردة؛ للاهتمام بها ولشأنها، والله أعلم.
قال الإمام العلامة أبو الحسن عليُّ بن عبد الكافي السُّبْكي في «المسائل الحلبية» ما لفظُه: (والذي نَدينُ اللهَ به أنَّ فاطمة أفضلُ، ثم خديجة، ثم عائشة، ولم يخفَ علينا الخلافُ في ذلك، ولكن إذا جاء نهر الله؛ بطل نهر معْقل) ، ثم ذكر الحجَّة في تفضيل فاطمة رضي الله عنهنَّ.
ورأيتُ عن ابن قيِّم الجوزيَّة في كون عائشة أفضل أو فاطمة قال: (إذا حُرِّر محلُّ التفضيل؛ صار وفاقًا، فالتفضيل بدون التفصيل لا يستقيم، فإن أُريد بالفضل كثرة الثواب عند الله؛ فذلك أمرٌ لا يُطَّلع عليه إلَّا بالنصِّ؛ لأنَّه بحسب تفاضل أعمال القلوب، لا بمجرَّد أعمال الجوارح، وكم من عاملَينِ أحدهما أكثر عملًا بجوارحه، والآخر أرفع درجة منه في الجنَّة، وإن أريد بالتفضيل التفضيل بالعلم؛ فلا ريب أنَّ عائشة أعلم وأنفع للأمَّة، وأدَّت إلى الأمَّة من العلم ما لم يؤدِّ غيرها، واحتاج إليها خاصُّ الأمة وعامَّتها، وإن أُريد بالتفضيل شرف الأصل وجلالة النسب؛ فلا ريب أنَّ فاطمة أفضل، فإنَّها بضعةٌ من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك اختصاصًا لم يشركها فيه غير أخواتها، وإن أُريد السِّيادة؛ ففاطمة سيِّدة نساء الأمَّة، وإذا ثبتت وجوه التفضيل ومواد الفضل وأسبابه؛ صار الكلام بعلم وعدل، وأكثر الناس إذا تكلَّم في التفضيل؛ لم يفصِّل جهات الفضل، ولم يوازن بينها [1] ، فيبخس الحقَّ، وإنِ انضاف إلى ذلك نوع تعصُّب وهوًى لمن [2] يفضِّله؛ تكلَّم بالجهل والظُّلم، وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسائل من مسائل التفضيل؛ فأجاب فيه بالتفصيل الشافي، انتهى.
فائدة: قال السُّهيليُّ في «رَوضه» : (وروى حَمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن عليِّ بن الحسين: أنَّ فاطمة أرادت حَلَّه _يعني: حَلَّ أبي لبابة_ حين ربط نفسَه بساريةٍ من سواري المسجد حين نزلت توبته، فقال: قد أقسمتُ ألَّا يحلَّني إلَّا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ فاطمة مضغةٌ مني» ، فصلَّى الله عليه وسلَّم وعلى فاطمة، فهذا حديثٌ يدلُّ على أنَّ من سبَّها؛ فقد كفر، وأنَّ من صلَّى عليها؛ فقد صلَّى على أبيها صلَّى الله عليه وسلَّم) انتهى، وقد تَقَدَّم قريبًا، وهذا حديثٌ مرسَل،
[ج 2 ص 37]
وفيه: عليُّ بن زيد بن جدعان، وهو مُتَكَلَّم فيه، أخرج له مسلم والأربعة، حافظ ليس بثبتٍ.