بسم الله الرحمن الرحيم
(( 62 ) ) (بابُ فَضَائِلِ أصْحَابِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وفَضْلِهِمْ)
قوله: (وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ) : اعلم أنَّ في دخول الأعمى الذي جاء إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مسلمًا ولم يصحبه ولم يجالسه في كلام البخاريِّ نظرٌ، ولو قال: من لقي النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مسلمًا ثم مات على الإسلام؛ ليخرج من ارتدَّ كافرًا؛ كابن خطل، وربيعة بن أمية، ومقيس بن صُبابة، ونحوهم، وفي دخول مَن لقيه مسلمًا ثم ارتدَّ ثم أسلمَ بعد وفاته عليه السَّلام في الصَّحابة نظرٌ كبير، فإنَّ الرِّدَّةَ مُحبِطةٌ للعمل عند أبي حنيفة، وقد نصَّ الشافعيُّ في «الأمِّ» على ذلك وإن كان الرافعيُّ حكى عنه: إنَّما تُحبَطُ بشرط اتِّصالها بالموت، وحينئذٍ فالظاهر أنَّها مُحبِطَةٌ للصُّحبة المتقدِّمة؛ كالأشعث بن قيس وغيره، أمَّا مَن رجع عن رِدَّته إلى الإسلام في حال حياةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ورآه بعد المراجعة؛ كعبد الله بن أبي سَرْح؛ فلا مانعَ لدخوله في الصُّحبةِ؛ لأنَّه لقيه وهو مسلمٌ، فدخل في حَدِّ الصحابيِّ، والله أعلم.
واعلم أيضًا أنَّ قول البخاريِّ: (أو رآه ... ) إلى آخره هل المراد في حال نبوَّته أو أعمُّ من ذلك حتَّى يدخلُ مَن رآه قبلَ النُّبوَّة، ومات قبلها على دِين الحنيفيَّة؛ كزيد بن عمرو بن نُفيل، فقد قال عليه السلام فيه: «إنَّه يبعثُ أُمَّة وحدَه» ، وقد ذكره في الصَّحابة ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ، وابن مَنْدَه، وكذلك لو رآه قبل النُّبوَّة، ثم غاب عنه وعاش إلى بعد زمن بعثته صلَّى الله عليه وسلَّم وأسلم، ثم مات ولم يره؛ قال شيخنا الحافظ الجهبذ العراقيُّ: لم أرَ مَن تعرَّض لذلك، قال: ويدُلُّ على أنَّ المراد: مَن رآه بعد النُّبوَّة: أنَّهم ترجموا في الصَّحابة لمن وُلِد له صلَّى الله عليه وسلَّم بعد النُّبوَّة؛ كإبراهيم وعبد الله، ولم يترجموا لمن وُلِد له قبل النُّبوَّة، ومات قبلها؛ كالقاسم، انتهى، وقد ذكر بعضهم القاسم في الصَّحابة.
واعلم أيضًا أنَّه اختُلف في حدِّ الصَّحابيِّ على أقوال:
أحدها وهو المشهور: أنَّه من رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حال إسلامه، كذا أطلقه غير واحدٍ من أهل الحديث، ومراده مع زوال المانع من الرُّؤية؛ كالعمى، وإلَّا؛ فمن صحبه وبه مانعٌ من الرؤية _كابن أمِّ مكتومٍ ونحوه_ صحابيٌّ بلا خلاف، وهل يشترط مع ذلك أن يكون عاقلًا مميِّزًا حتَّى لا يدخل الأطفالُ الذين حنَّكهم ولم يَرَوه بعد التمييز، ولا من رآه وهو لا يعقل، أو المراد أعمُّ من ذلك؟ قال شيخنا العراقيُّ فيما قرأته عليه في «النُّكت على كتاب ابن الصَّلاح» : (ظاهر كلامهم اشتراطُه؛ كما هو موجود في كلام ابن مَعين، وأبي زُرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، وابن عبد البَرِّ، وغيرِهم) ، انتهى، وقد ذكر الترمذيُّ والنَّسائيُّ التَّمييز في (بابٌ: متى يصحُّ سماع الصَّغير) .