فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 13362

قوله: (باب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : اعلم أنَّ الأحاديث التِّي ذكرها البخاريُّ دالَّة على تعظيم الكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّه كبيرة، والمشهور: أنَّ فاعله لا يكفر إلَّا أنَّ يستحلَّ ذلك؛ خلافًا لأبي محمَّد الجوينيِّ والد إمام الحرمين؛ حيث قال: (يكفر ويراق دمه) ، وضعَّفه ولدُه الإمامُ، وجعله من هفوات والده.

وقد رأيت بخطِّ بعض فضلاء الحلبيِّين ممَّا انتقاه من كتاب «المقدمات» للشيخ عماد الدين ابن كثير الحافظ المتأخِّر الذي عاصرناه، ولكن أخذ عنه بعض مشايخنا وبعض أصحابنا رحمه الله: (أن أبا محمَّد الجوينيَّ تابعه على ذلك أبو الفضل الهمذانيُّ شيخ ابن عَقِيل الحنبليِّ) انتهى.

ولكن في خطِّ المشار إليه: (تابع أبا محمَّد الجوينيَّ في تكفير من استحلَّ الكذب على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ... ) ؛ فذكره، ولا شكَّ أنَّ هذا وهم بلا خلاف، بل المعروف ما نقلته عن أبي محمَّد، ولا يصحُّ ما في هذه الكتابة، والله أعلم.

وقد قال الذَّهبيُّ في كتابه «الكبائر» ما لفظه: (قد ذهب طائفة من العلماء إلى أنَّ الكذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كفر ينقل عنِ الملَّة) ، قال: (ولا ريب أنَّ تعمُّد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أوتحريم حلال كفرٌ محضٌ) انتهى.

نعم؛ من كذب في حديث واحد عمدًا [1] ؛ فسق، ورُدَّت شهادته، ورُدَّت رواياته كلُّها وإن تاب، وبه قال أحمد ابن حنبل وأبو بكر الحميديُّ.

[ج 1 ص 59]

وأطلق أبو بكر الصيرفيُّ الكذب، والظَّاهر من عبارته أنَّ مراده في الحديث، وهذا نظير ما قاله [2] مالك في شاهد الزور إذا تاب: (إنَّها لا تقبل شهادته) ، وما قاله الشَّافعيُّ وأبو حنيفة فيمن رُدَّت شهادته بالفسق أو العداوة، ثمِّ تاب وحسُنت حالته: (لا يقبل منه إعادتها؛ لما يلحقه من التهمة في تصديق نفسه) ، وما قاله أبو حنيفة في قاذف المحصَن إذا تاب: (لا تقبل شهادته أبدًا) ، وما قاله أيضًا: من أنَّه إذا رُدَّت شهادة أحد الزوجين للآخر، ثمَّ مات؛ لا يسمع للتهمة، ولأنَّ الكذب على رسول الله [3] صلَّى الله عليه وسلَّم مفسدة عظيمة؛ لأنَّه يصير شرعًا مستمرًّا إلى يوم القيامة، فجعل ذلك تغليظًا وزجرًا من الكذب عليه بخلاف غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت