قوله: (بَابُ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ أَوْ سَيِّئَةٍ [1] ) : الحديثُ الذي ذكره مع التبويب يصحِّحان مقالةَ من قال: إنَّ الحَفَظَة تكتبُ ما يَهمُّ به العبدُ من حسنةٍ أو سيِّئةٍ، وتعلم اعتقادَه لذلك، وردَّ مقالةَ مَن زعم أنَّ الحَفَظَة إنَّما تكتب ما ظهر مِن عمل العبدِ وسُمِعَ، قاله الطحاويُّ، وقيل: إنَّ ذلك بريح تظهر لهما من القلب، قاله شيخُنا، انتهى.
تنبيهٌ: في «مسند أبي يعلى المَوْصِليِّ» من حديث عائشة رضي الله عنها حديثٌ قال في أثنائه: «إذا كان يومُ القيامة، وجمعَ اللهُ الخلائقَ لحسابهم، وجاءتِ الحَفَظَة بما حفظوا وكتبوا؛ قال الله لهم: انظروا هل بقيَ له مِن شيءٍ؟ فيقولون: ربَّنا؛ ما تركنا شيئًا ممَّا علمناه وحفظناه،
[ج 2 ص 685]
إلَّا وقد أحصيناه وكتبناه، فيقول الله تبارك وتعالى: إنَّ لك عندي خَبْئًا لا تعلمه، وأنا أجزيك به؛ وهو الذِّكْرُ الخَفِيُّ»؛ ففي هذا: أنَّ الحَفَظَة لا يكتبون إلَّا ما ظهر من الأعمال، والله أعلم.
وقد عزا شيخُنا في أوائل «شرح هذا الكتاب» إلى أبي يعلى: أنَّه عليه السلام قال: «يقول الله للحَفَظَة يوم القيامة: اكتبوا كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربَّنا؛ لم نحفظ ذلك عنه، ولا هو في صُحُفنا، فيقول: إنَّه نواه، إنَّه نواه» ، ولم أرَ أنا هذا في «مسند أبي يعلى» ، فهو أيضًا شاهدٌ للحديث الآخَرِ الذي ذكرتُه، ورأيتُ القرطبيَّ ذكر حديثًا صريحًا في أنَّ الحَفَظَة لا يكتبون إلَّا الظاهرَ من الأعمال، والله أعلم، ورأيت ابنَ الأثير ذكر في «النهاية» في (قرأ) : وأنَّ معنى قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] : أنَّ القراءة التي تجهر بها أو تسمعها نفسك يكتُبُها المَلَكان، وإذا قرأت بها في نفسك؛ لم يَكتباها، والله يحفظُها لك ولا ينساها؛ ليجازيَك عليها، انتهى.
[1] كذا في (أ) ، وفي «اليونينيَّة» و (ق) : (بسيِّئة) .