قوله: (باب كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ) : ذكر فيه حديث شيبة عن عمر رضي الله عنهما: «لقد هممت ألَّا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلَّا قسمته بين المسلمين ... » ؛ الحديث، قال ابن المُنَيِّر: يحتمل أن يكون مقصودُه بالتَّرجمة التَّنبيهَ [1] على أنَّ كسوة الكعبة مشروعة ومأثورة، فيحتجَّ بذلك أنَّها لم تزل تقصد بالمال يُوضَع فيها على معنى الزِّينة والجمال؛ إعظامًا لحرمتها في الجاهليَّة والإسلام، فالكسوة من هذا القبيل، ويحتمل أن يريد التنبيهَ على حكم الكسوة، وهل يجوز التَّصرُّف فيما عُتِق من الكسوة بالقسمة كما يصنعونه
[ج 1 ص 426]
أم لا؟ فنبَّه على أنَّه موضع اجتهاد، وأنَّ مُقتضَى رأي عمر رضي الله عنه أن يقسم في المصالح، ويعارض تركه رأي النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيه وسلَّمَ وأبي بكر لقسمتها، فذلك مَحلُّ اجتهاد، ويعارض الأمارات، والظَّاهر جواز قسمة الكُسوة العتيقة؛ إذ بقاؤها تعريض لإتلافها بخلاف النَّقدين؛ إذ لا جمال في كسوة مطويَّة عتيقة، ويُؤخَذ من قول عمر رضي الله عنه أنَّ صرف المال في المصالح كالفقراء والمساكين آكدُ من صرفه في كسوة الكعبة، لكنَّ الكسوة في هذه الأزمنة أهمُّ؛ إذ الأمور المُتقادمة تتأكَّد حرمتها في النُّفوس، وقد صار ترك الكسوة في العرف غضًّا في الإسلام، وإضعافًا لقلوب المسلمين، فترجَّحت [2] على الصَّدقة بمثل قيمتها، والله أعلم، انتهى.
وقال شيخنا الشَّارح: ولك أن تقول: لعلَّ البخاريَّ أراد أصل الحديث على عادته في الاستنباط، وهو قوله: (عند ابن ماجه: مال الكعبة) يشير بذلك إلى حديث أبي وائل قال: (بعث رجل معي بدراهم هديَّة إلى البيت، فدخلت البيت وشيبة جالس على كرسيٍّ، فناولته إيَّاها، فقال: ألك هذه؟ قلت: لا، ولو كانت لي؛ لم آتك بها، قال: أمَا لئنْ قلت ذاك، لقد جلس عمر رضي الله عنه مجلسك الذي أنت فيه، وقال: لا أخرج حتَّى أقسم مال الكعبة ... ) ؛ الحديث، قال شيخنا: وهي _أي [3] : الكسوة_ داخلة فيه، يؤيِّده قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «وهل لك من مالك إلَّا ما لبست [4] فأبليت؟» ، فجعل اللِّبس _وهو الكسوة_ مالًا، انتهى.