(بَابُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ) ... إلى (بَاب بَدْءِ الأَذَانِ)
ذَكَر في هذا الباب حديثَ ابنِ عمر رضي الله عنهما: «إنَّما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ... » ؛ الحديث، قال ابن المُنَيِّر: إن قلت: ما وجه مطابقة حديث ابن عمر للتَّرجمة، وإنَّما حديثه مثالٌ لمنازل الأمم عند الله، وأنَّ هذه الأمَّة أقصرها عمرًا وأعظمها ثوابًا؟ قلت: يستنبط بتلطُّفٍ مِن قوله: (فعملنا إلى غروب الشَّمس) ، دلَّ على أنَّ وقت العمل مُمتدٌّ إلى غروب الشمس، وأنَّه لا يفوت، وأقرب الأعمال المشهودة بهذا الوقت صلاةُ العصر، وهو من قبيل [1] الأخذ من الإشارة، لا من صريح العبارة، فإنَّ الحديث مثالٌ، وليس المراد: عملًا [2] خاصًّا بهذا الوقت؛ وهو صلاة، بل المراد: سائر أعمال
[ج 1 ص 197]
الأمَّة مِن سائر الصَّلوات وغيرها مِن العبادات في سائر مدَّة بقاء الملَّة إلى قيام الساعة، ويحتمل المطابقة ما قاله المُهلَّب؛ وهو أنَّه نبَّه على أنَّ إعطاء البعض حكمَ الكلِّ في الإدراك غيرُ بعيدٍ؛ كما أُعطِيَت هذه الأمَّةُ ببعض العمل في بعض النَّهار حكمَ جملة العمل في جملة النَّهار، فاستحقَّت جميع الأجر، وفيه بُعْد، فإنه لو قال: إنَّ هذه الأمَّة أُعطِيت [ثلاثةَ قراريطَ أشبهُ، ولكنَّها ما أُعطِيَت] [3] إلا بعض أجرة جميع النَّهار؛ لأنَّ الأمَّتين قبلها ما استوعبت النهار، فأخذتا [4] قيراطين، وهذه إنَّما [5] أخذت أيضًا قيراطين، نعم؛ عملت هذه الأمَّة قليلًا فأخذت كثيرًا، ثمَّ هو أيضًا منعك عن محلِّ الاستدلال [6] ؛ لأنَّ عمل هذه الأمَّة آخر النَّهار كان أفضلَ من عمل المتقدَّمين قبلها، ولا خلاف أنَّ صلاةَ العصر مُتقدِّمةً أفضلُ مِن صلاتها مُتأخِّرة، ثمَّ هذا من الخصائص المستثناة عن القياس، فكيف يُقاس عليه؟! ألا ترى أنَّ صيام آخر النَّهار لا يقوم مقام جملته، وكذلك سائر العبادات، فالأوَّل أولى، انتهى لفظه.
[1] في (ب) : (قبل) .
[2] زيد في (ب) : (صالحًا) .
[3] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[4] في (ب) و (ج) : (فأخذنا) .
[5] في (ب) : (وإنما) .
[6] في (ج) : (الاستدراك) .