قوله: (باب مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الأَسْوَدِ) : اعلم أنَّ الحجر جاءت فيه أحاديثُ كثيرة، فعند التِّرمذيِّ [1] منها: «أنَّه نزل من الجنَّة أشدَّ بياضًا من اللَّبن، فسوَّدته خطايا بني آدم» ، وقال: حسن صحيح، وعنده أيضًا: «إنَّ لهذا [2] الحجر لسانًا وشفتين، يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحقٍّ» ، وقال: حسن والحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «يأتي الرُّكن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان يكلِّم عمَّن استلمه بالنِّيَّة، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده» ، وفيه أحاديثُ كثيرة، وبعضها ذكره شيخنا المؤلِّف، ومن أغربها: ما رفعه عبد الله بن عُكيم المُحدِّث: «أنَّ الحجر الأسود يطفو على الماء، ولا يسخن بالنَّار إذا أُوقِدت عليه» ، وللحديث قصَّة، فأحضر القرمطيُّ طستًا فيه ماء، ووضع الحجر فيه فطفا على الماء، ثمَّ أُوقِدت عليه النَّار، فلم يحمَ بها، فمدَّ عبد الله [3] المُحدِّث يده وأخذ الحجر وقبَّله، وقال: (أشهد أنَّه الحجر الأسود) ، فتعجَّب القرمطيُّ من ذلك، وقال: هذا دِين مضبوط بالنَّقل.
تنبيه: كان الحجر الأسود قد أخذه القرمطيُّ من مكَّة، وتمَّ عنده اثنتين وعشرين سنة إلَّا شهرًا، ثمَّ أُعيد إلى موضعه في ذي الحجَّة، سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة، والله أعلم، [وقيل: أقام عند القرامطة ثمانيًا وعشرين سنة، وهذه القصَّة تقتضي أنَّ مجيء القرمطيِّ بالحجر كان بحضور ابن عُكيم، وهذا التأريخ مع حضور ابن عُكيم فيه نظر، مع قولهم: إنَّ آخر من مات من التَّابعين خلف بن خليفة، وقد تُوفِّيَ خلف سنة (181 هـ) ، عاش [4] تسعين سنة، مع أنَّ ابن دحية قال: عبد الله هذا لا يُعرَف، انتهى، وفيه نظر؛ لأنَّه ذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» ، بل عدَّه بعضهم صحابيًّا [5] ، (وقد روى عنه عدلان، بل أكثر) [6] ، والصَّحيح: أنَّه مخضرم، ولم يسمع منه عليه الصَّلاة والسَّلام، وقد روى عنه جماعة] [7] .