قوله: (بابُ بَعْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ [1] فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) : (أسامةَ) : منصوب مفعول المصدر؛ وهو (بعث) ، و (ابنَ) : تابع له.
قوله: (فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ) : اعلم أنَّما بعثه قبل ابتداء مرضه، وقد يُجابُ عنه بأنَّه عَلَيهِ السَّلام إنَّما عقد اللواء له وهو مريض، أو أنَّه عَلَيهِ السَّلام لمَّا قال وهو مريض: «أنفذوا جيش أسامة» ؛ أطلق البُخاريُّ عليه في التبويب ما ذكر، وسأذكر ذلك قريبًا جدًّا.
ثُمَّ اعلم أنَّ هذه السريَّة التي بعثها عَلَيهِ السَّلام _سريَّة أسامة بن زيد بن حارثة_ بعثها إلى أُبنى؛ وهي أرض الشَّراة، ناحية البلقاء، قالوا: لمَّا كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من مهاجره عَلَيهِ السَّلام؛ أمر رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم الناس بالتهيُّؤ لغزو الروم، فلمَّا كان من الغد؛ دعا أسامة بن زيد، فقال: «سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد ولَّيتك هذا الجيش، فأغِرْ صباحًا على أهل أُبنى، وحرِّق عليهم، وأسرع السير؛ لسبق الأخبار، فإن ظَفَّرَك الله؛ فاقتل الليث فيهم، وخذ معك الأدلَّاء، وقدِّم العيون والطلائع معك» ، فلمَّا كان يوم الأربعاء؛ بُدِء برسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم وجعُه، فحُمَّ وصُدِع، فلمَّا أصبح يوم الخميس؛ عقد لأسامة اللواء بيده، ثُمَّ قال: «اغزُ بسم الله وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله» ، فخرج بلوائه معقودًا، فدفعه إلى بريدة بن الحُصيب الأسلميِّ، وعسكر بالجُرف، فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين الأوَّلين والأنصار إلا انتدبَ في تلك الغزوة؛ منهم: أبو بكر، وقد تَقَدَّم إنكار أبي العبَّاس ابن تيمية كون أبي بكر معهم، والذي قاله ظاهر صحيح، وكيف يستخلفه في الصلاة ويأمره بالخروج؟! وقيل: إنَّ عمر كان معهم، انتهى، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ عائشة قالت لحفصة: (قولي: فلو أمرت عمر) ، اللهمَّ إلَّا ألَّا تكون عائشة وحفصة علمتا تعيين عمر، والله أعلم، وكان معهم أبو عبيدة ابن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش.
فتكلَّم قوم، وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوَّلين، والذي عُرِف من القائلين: عيَّاش بن أبي ربيعة، فغضب رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم غضبًا شديدًا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، فصعد المنبر، وذلك يوم السبت لعشر خلون من شهر ربيع الأوَّل سنة إحدى عشرة، والقصَّة معروفةٌ مشهورةٌ في كتب المغازي والسير، فلا نطوِّل بذكرها كلِّها.