قوله: (بَابٌ: إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا؛ كَفَاهُ) : سرد ابن المُنَيِّر ما في الباب بغير إسنادٍ، ثمَّ قال: (استدلاله على التَّرجمة بحديث أبي بكرة ضعيفٌ، فإنَّ غايته أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم اعتبر تزكية الرَّجل أخاه إذا اقتصد ولم يتغالَ، والاعتبار قد يكون؛ لأنَّه جزء النِّصاب، وقد يكون؛ لأنَّه كافٍ، فهذا مَسكوتٌ عنه) انتهى.
اعلم أنَّهم اختلفوا في ثبوت العدالة بواحدٍ في الرِّواية والشَّهادة؛ فقيل: يُكتفَى فيهما بالواحد، وهو اختيار القاضي أبي بكر؛ لأنَّ التَّزكية بمثابة الخبر، قال القاضي: والذي يوجبه القياسُ وجوبُ قبولِ تزكية كلِّ عدل مَرضيٍّ، ذكرٍ كان أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ، لشاهدٍ ومخبرٍ، وفيه قولٌ آخرُ: أنَّه لا يُقبَل في التَّزكية إلَّا رجلان، وسواءٌ الشَّهادةٌ والرِّوايةُ، وهذا محكيٌّ عن أكثر الفقهاء مِن أهل المدينة وغيرِهم، والثَّالث: التَّفرقة بين الشَّهادة والرِّواية؛ فيُشترَط اثنان في الشِّهادة، ويكتفى بواحدٍ في الرِّواية، ورجَّحه الإمام فخر الدِّين والآمديُّ، ونقله عن الأكثرين، وكذا ابن الحاجب نقله عن الأكثرين، وقولي: (بالواحد) : تدخل فيه المرأةُ العدلُ، والعبدُ العدلُ، وقد اختلفوا في تعديل المرأة؛ فحكى القاضي (أبو بكر عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم أنَّها لا تُقبَل في التَّعديل النِّساءُ، لا في الرِّواية ولا في الشَّهادة، واختار القاضي) [1] أنَّه تُقبَل تزكية المرأة مطلقًا في الرِّواية والشَّهادة؛ إلَّا تزكيتها في الحكم الذي لا تُقبَل شهادتُها فيه، وأطلق صاحب «المحصول» وغيرُه قبولَ تزكيةِ المرأة من غير تقييد بما ذكره القاضي، وأمَّا تزكية العبد؛ فقال القاضي أبو بكر: يجب قبولُها في الخبر دون الشَّهادة، قال: والذي يوجبه القياسُ وجوبُ قبولِ تزكية كلِّ عدلٍ مرضيٍّ ذكرٍ وأنثى، حرًّا كان أو عبدًا، لشاهدٍ أو مخبرٍ، وهذا ما صرَّح به في «المحصول» ، وغيرُه صرَّح به، قال الخطيب البغداديُّ: (الأصل في هذا الباب سؤالُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بريرةَ في قصَّة الإفك عن حال عائشة رضي الله عنهما، وجوابها له) انتهى، وكذا جوابُ زينب؛ على مذهب مَن يراه تزكيةً، والله أعلم.