قوله: (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ) : ذكر ابن المُنَيِّر ما في الباب على عادته، ثمَّ قال: (إن قيل: مؤمن أهل الكتاب لا بدَّ أن يكون مؤمنًا به صلَّى الله عليه وسلَّم؛ للعهد المُتقدِّم والميثاق، فإذا بُعِث صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فإيمانه الأوَّل مُستمرٌّ، فكيف تعدَّد حتَّى يتعدَّد أجرُه؟ قيل: إيمانه الأوَّل بأنَّ الموصوفَ كذا رسولُ الله، وثانيًا: أنَّ مُحَمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم هو الموصوف، وهما معلومان متباينان) انتهى، وفي «شرح مسلم» للنَّوويِّ: (له أجران؛ أحدهما: لإيمانه بنبيِّه قبل النَّسخ، والثاني: لإيمانه بنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم) انتهى، وقال شيخنا: (قال المُهلَّبُ: فيه: أنَّ مَن أحسن في معنيين مِن أيِّ فعل كان من أفعال البِرِّ؛ فله أجره مرَّتين، والله يضاعف لمن يشاء، وإنَّما جاء النَّصُّ في هؤلاء؛ ليستدلَّ بذلك في سائر النَّاس وسائر الأعمال) انتهى، وقال شيخنا أيضًا: ومؤمن أهل الكتاب؛ يعني: مَن بُعِث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو على دين عيسى، وأمَّا اليهود وغيرهم ممَّن كان على غير الإسلام؛ فإنَّما وُضِع عنه ما كان عليه مِن كُفرٍ، ويُؤتَى ثواب ما كان يفعله لله في حال كفره، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «أسلمتَ على ما أسلفتَ مِن خير» ، قاله الدَّاوديُّ، وتعقَّبه ابن التِّين، فقال: هذا الذي ذكره إنَّما يصحُّ لو كان عيسى أُرسِل إلى سائر الأمم، لكن مَن كذَّب به كان كافرًا، فإن لم يكن أحدٌ لم يكذِّب به، أو لم يعلم برسالته، وبقي على دِينه يهوديًّا أو غيره؛ فله أجران إذا أسلم، وهو معنى قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} [القصص: 54] )، انتهى.
[ج 1 ص 765]