قوله: (بَابُ وُجُوبِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ) : صرَّح الإمامُ شيخُ الإسلام البُخاريُّ في تبويبه بوجوب عيادة المريض، وقد قال النَّوَويُّ رحمه الله في «شرح مسلم» في أوائل الربع الأخير في حديث البَرَاء: (أَمَرَنا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بسبعٍ ... ) ؛ الحديث ما لفظه: (أمَّا عيادة المريض؛ فسُنَّة بالإجماع، وسواء فيه مَن يعرفه، ومَن لا يعرفه، والغريبُ، والأجنبيُّ، واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منها) ، انتهى، وما أظن أنَّ الصَّحابة والتابعين وتابعيهم يجتمعون على ذلك، وكيف يُسَلَّم له ذلك وقد بوَّب شيخُ الإسلام البُخاريُّ على الوجوب؟! ثُمَّ إنِّي رأيتُ كلامَ الإمام الحافظ العلَّامة تقيِّ الدين القشيريِّ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» قال في حديث البراء المشار إليه: (أَمَرَنا النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بسبعٍ ... ) ما لفظه: (عيادة المريض عند الأكثرين مستحبَّة بالإطلاق، وقد تجب حين يضطرُّ المريض إلى مَن يتعاهده، وإن لم يُعَدْ؛ ضاع، وأوجبها الظاهريَّة من غير هذا القيد؛ لظاهر الأمر) انتهى، وكأنَّ الشيخَ محيي الدين وقف على خلاف الظاهريَّة، وحكى الإجماعَ في الطرف الآخَرِ، فلعلَّه يختارُ أنَّهم لا يُعتَدُّ بخلافهم، والمسألة فيها خلافٌ ذكره أبو عَمرو ابن الصلاح، وذكرها الشيخ محيي الدين في «تهذيبه» في ترجمة داود بن عليِّ بن خلفٍ إمامِهم، ونقل كلام الناس في ذلك، واختار ابنُ الصلاح الاعتدادَ بشرطٍ ذكره النَّوَويُّ في «تهذيبه» عن ابن الصلاح، والله أعلم.
[ج 2 ص 527]