واختلف العلماء في المراد بـ (سبعة أحرف) ؛ قال القاضي عياض: قيل: هو توسعةٌ وتسهيلٌ لم يقصد به الحصْرَ، قال: وقال الأكثرون: هو حصرٌ للعدد في سبعةٍ، ثُمَّ قيل: في سبعة من المعاني؛ كالوعد والوعيد، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام، والقصص والأمثال، والأمر والنهي، ثُمَّ اختَلَف هؤلاء في تعيين السبعة.
وقال آخرون: هي في صورة التلاوة، وكيفية النطق بكلماتها؛ من إدغام وإظهار، وتفخيم وترقيق، وإمالة، ومدٍّ؛ لأنَّ العرب كانت مختلفةَ اللُّغات في هذه الوجوه، فيسَّر الله عليهم؛ ليقرأَ كلُّ إنسان بما يُوافق لغته، ويسهل على لسانه، وقال آخرون: هي الألفاظ والحروفُ، وإليه أشار ابن شهاب بما رواه عنه مسلم في «الكتاب» ؛ يعني: «صحيحه» ، ثُمَّ اختَلَف هؤلاء؛ فقيل: سبع قراءات وأوجه، وقال أبو عُبيد: سبع لغات للعرب يَمَنِها ومَعَدِّها، وهي أفصح اللُّغات وأعلاها، وقيل: السبعة كلُّها لمضر وحدها، وهي متفرِّقة في القرآن، غير مجتمعة في كلمة واحدة، وقيل: بل هي مجتمعة في بعض الكلمات؛ كقوله تعالى: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] ، و {نَرْتَعِ وَنَلْعَبْ} [يوسف: 12] ، و {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] ، و {بِعَذَابٍ بَيْئَسٍ} [الأعراف: 165] ، وغير ذلك.
قال ابن البلاقلانيِّ: الصحيح أنَّ هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم، وضبطتها عنه الأُمَّة، وأثبَتَها عثمان والجماعة رضي الله عنهم، وأخبروا بصحَّتها، وإنَّما حذفوا عنها ما لم يثبت متواترًا، وأنَّ هذه الأحرف تختلف معانيها تارةً، وألفاظُها أخرى، وليست متضادَّة ولا متنافية، وذكر الطحاويُّ: أنَّ القراءة بالأحرف السبعة كانت في أوَّل الأمر خاصَّة للضرورة؛ لاختلاف لغة العرب، ومشقَّة أخذ جميع الطوائف بلغةٍ، فلمَّا كثر الناس والكُتَّاب، وارتفعت الضرورة؛ عادت إلى قراءةٍ واحدةٍ.
قال الداوديُّ: وهذه القراءات السبع التي يقرأ بها الناسُ اليوم ليس كلُّ حرف منها هو أحدَ تلك السبعة، بل قد تكون مفرَّقةً فيها، وقال ابن أبي صُفرة: هذه القراءات السبع إنَّما شُرِعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهذا الذي جَمَع عثمانُ رضي الله عنه المصحفَ، وقد ذكره النَّحاس وغيره.