ثمَّ اعلم أنِّي لا أذكر الأوهام الواقعة قبل الوصول إلى «البخاريِّ» ، وذلك فيما يخُصُّ الأسانيدَ وأسماءَ الرواة؛ فإنَّ الحملَ في ذلك على نَقَلَةِ الكتاب، وقد وقعَ مثله في «مسلم» ، وقد ينْدُرُ مواضعُ يسيرةٌ من هذه الأوهام لهما، أو لمَن فوقَهُما من الرواة، فأذكُرُ من ذلك ما يسَّرَه اللهُ تعالى [32] فيما يتعلَّق بالبخاريِّ، وقد استدرك ذلك الحافظ أبو الحسن عليُّ بنُ عُمرَ الدَّارَقُطنيُّ عليه، وكذا على الحافظِ مسلمٍ، ونبَّهَ على بعضِ هذه المواضعِ الحافظ أبو مسعودٍ الدمشقيُّ، وغيرُه من الأئمَّة، وقد ذكرَها الحافظ أبو عليٍّ الغسَّانيُّ ببابٍ مفردٍ في كتابه [33] «تقييد المُهمَل» ؛ فسارِعْ إليه ولا تكُنْ ممَّن أهمَل؛ فقد كفاني ذلك رحمه الله.
ومَن أراد ذلك، أو شيئًا منه؛ فعليه بالكتاب المشار إليه.
واللهَ أسألُ أن يجعلَ ذلك لوجهه الكريم خالصًا، وأنْ يجعلَني في ظِلِّ عَرْشِه إذا [34] الظِّلُّ أضحى في القيامة قالصًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبالإجابةِ جديرٌ، وبجزاءِ كلِّ خيرٍ كفيلٌ، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.
تنبيهٌ قد سبقت الإشارة إليه قريبًا:
اعلم أنَّ التراجمَ التي يُترجِمُ بها أصحابُ التصانيف على الأحاديث إشارةٌ إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاثِ مراتب:
منها: ما هو ظاهرٌ في الدلالة على المعنى المراد، مفيدٌ لفائدةٍ مطلوبة.
ومنها: ما هو خفيُّ الدلالة على المعنى المراد، بعيدٌ مستكرَهٌ لا يتمشَّى إلَّا بتعسُّف.
ومنها: ما هو ظاهرُ الدلالة على المراد إلَّا أنَّ فائدتَه قليلةٌ لا تكاد تُستحسن، مثل ما ترجم الإمام البخاريُّ: (باب السؤال عند الجمار) ، وهذا القِسم _أعني: ما يظهر منه قلةُ الفائدة_ يحسنُ إذا وُجد معنًى في ذلك المراد [35] يقتضي تخصيصَه بالذِّكر، ويكونُ عدمُ استحسانه في بادئ الرأي لعدم الاطِّلاع على ذلك المعنى.
فتارةً يكونُ سببُهُ الردَّ على مخالفٍ في المسألة لم تَشتَهِر [36] مقالتُه؛ مثل ما ترجم البخاريُّ على أنَّه يُقال: ما صلَّينا؛ فإنَّه نُقل عن بعضِهم أنَّه كَرِهَ ذلك.
قال شيخُنا الشَّارح:
[ج 1 ص 4]
(إن قيل: أيُّ كبيرِ أمرٍ تحت هذه الترجمة؟