واعلم أنَّ شيخَنا الشَّارح عزا غالبَ الآثار والمتابعات [22] والتعاليق التي فيه [23] ، ولم يَبْقَ في هذا العصر _ والله أعلم _ مَن يماثِلُه، بل ولا مَن يدانيه، ولم يقف عليه منها إلَّا [24] اليسير؛ كالفتيل والنقير والقطمير، ولم أتعرَّض أنا بالنسبة إلى ما ذَكره إلَّا قليلًا لذلك؛ لفائدةٍ قد تعرفُها فيما هنالك، فقد كفانا ذلك ومؤنتَه، جلَّله اللهُ رحمتَه ومغفرتَه، غيرَ أنِّي قد عزوتُ غالبَ ما فيه من المتابعات [25] إلى ما هي فيه من الكتب السِّتَّة المشهورات، ولم أذكرْ ما فيه [26] (من غيرها إلَّا نادرًا في بعض الأوقات، وقد عزا [27] جُلَّ ذلك شيخنا) [28] كما تقدَّم [29] إلى ما هي فيه من المُصنَّفات، ولم أذكر في هذا إلَّا نزرًا من الأحكام، وقد ذكر منها [30] شيخنا شيئًا، وجُملتَها مِن قبلِه الأئمَّةُ الأعلام.
ثمَّ اعلم أنَّ التراجم التي يترجمُ بها البخاريُّ رحمه الله معظمُها هو مذهبٌ يختارُه لنفْسِه يرُدُّ به على بعضِ العلماء، وإمَّا ردٌّ لحديثٍ ضعيفٍ قد ضعَّفه هو أو بعضُ الجهابذة النبلاء، أو ردٌّ لحديثٍ ليس على شرطه بحديثٍ يذكرُه في الترجمة على شرطه وضبطه، وتارةً يرُدُّ [31] فِعلًا شائعًا من الناس لا أصلَ له بترجمةٍ مع حديثٍ قد ساقه وأصلَه، وقد يكون لغير ذلك من المعاني التي يعرفُها مَن لكلامِه يُعاني، ولولا خوفُ الإطالة؛ لذكرتُ ما وقع لي من ذلك، وغالبُه يُستخرجُ من كلام شيخنا الشَّارح؛ فإنَّه سهَّلَ فيه المسالك.
ولم أقصد في هذا التعليق جمْعَ الأقوال والروايات، وما يُقال فيه من الإعراب؛ لأنَّ به يطولُ الكتاب، ويَخرجُ عنِ الاستحضار إذا لم يدأب فيه باللَّيل والنهار.
وهاأنا أذكر قريبًا تنبيهًا يتعلَّق بتراجم المصنِّفينَ في الحديث ينفعُك في تراجم «البخاريِّ» ؛ فإنَّها كالشيءِ العُجاب؛ فإنَّ فِقْهَهُ في تراجمه كما عَمِلَ العلَّامةُ سيبويه في «الكتاب» ، ومَن أراد الإمعانَ؛ فعليه بالمطوَّلات، لا العُجالات والمختصرات.