قوله: (قَدْ شَهِدَا بَدْرًا) : قال ابن قيِّم الجوزيَّة الحافظ شمس الدين: هذا وَهم من الزُّهريِّ، فإنَّه لا يُحفَظ عن أحد من أهل المغازي والسير ذكرُ هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابنِ إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأمويِّ، ولا الواقديِّ، ولا أحدٍ ممَّن عَدَّ أهل بدرٍ، ولكن ينبغي ألَّا يكونا من أهل بدر، فإنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم لم يهجر حاطبًا ولا عاقبه، وقد جسَّ عليه، وقال لعمر رضي الله عنه لمَّا همَّ بقتله: «وما يدريك أنَّ الله اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم» ، فأين ذنب التخلُّف من ذنب الجسِّ؟!
قال ابن الجوزيِّ أبو الفرج الحافظ: ولم أزل حريصًا على كشف ذلك وتحقيقه حتَّى رأيت أبا بكرٍ الأثرم قد ذكر الزُّهريَّ، وذكر فضلَه وحفظه وإتقانه، وأنَّه لا يكاد يُحفَظ عنه غلطٌ إلَّا في هذا الموضع، فإنَّه قال: إنَّ مُرَارة بن الرَّبِيع وهلالَ بن أُمَيَّة شهدا بدرًا، وهذا لم يقله أحد غيره، والغلط لا يُعصَم منه إنسان، انتهى.
وقد تَقَدَّم الكلام على ذلك في (غزوة بدر) ، وذكرت أيضًا كلام الحافظ الدِّمْياطيِّ، فإنَّه نبَّه على أنَّ ذِكرَهما في أهل بدر غلطٌ، والله أعلم.
قوله: (فِيهِمَا إسْوَةٌ) : تَقَدَّم أنَّها بضمِّ الهمزة وكسرها؛ لغتان قرئ بهما في السبع.
قوله: (وَنَهَى النَّبِيُّ [14] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [15] عَنْ كَلاَمِنَا) : إنَّما اشتدَّ غضبه على من تخلَّف عنه ونزل فيهم من الوعيد ما نزل حتَّى تاب الله على الثلاثة منهم وإن كان الجهاد من فروض الكفاية لا من فروض الأعيان، لكنَّه في حقِّ الأنصار خاصَّة كان فرضَ عينٍ، وعليه بايعوا رسول الله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم، ألا تراهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمَّدا
على الجهاد ما بقينا أبدا
قاله السهيليُّ عن ابن بطَّال، انتهى.
وفي مذهب الشافعيِّ وجهان؛ هل الجهاد في زمنه عَلَيهِ السَّلام فرض عين أو كفاية؟ والأصحُّ الثاني؛ وهو كفاية، وقال الماورديُّ: كان فرض عين على المهاجرين، وكفاية على غيرهم، وقال بعض العلماء من أصحاب الشافعيِّ: كان فرض عين على الأنصار دون غيرهم؛ لأنَّهم بايعوا عليه، والله أعلم، وهذا موافقٌ لما قاله السهيليُّ عن ابن بطَّال، وقد قدَّمتُ الكلام على الجهاد في أوَّل (كتاب الجهاد) ؛ هل هو كفاية أو عين؟ أو عين على الأنصار؟ أو عين على المهاجرين؟
قوله: (أَيُّهَا الثَّلاَثَةُ) : قال الدِّمْياطيُّ: (أيُّها الثلاثة) ؛ بالرفع، وهو موضع النصب على الاختصاص، قال سيبويه عن العرب: (اللهمَّ اغفر لنا أيَّتُها العصابة) ، انتهى.
قوله: (فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ) : هو بفتح الموحَّدة، والضمير مفعولٌ، و (الناسُ) : مرفوع فاعل.
قوله: (فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً) : إن قيل: لِمَ لم يزدهم على الخمسين، ولم ينقصهم عنها؟