أحدها: أن يراد به إدغام الكلام، ووصل الخطاب، وتأكيد المقصد دون الالتفات إلى معانيها؛ كقولهم: ويل أمِّه، وتربت يمينك.
والثاني: أن يكون على القطع ومداخلة الكلام، وأنَّه التفت بقوله: (فدًى لك) إلى بعض من يخاطبُه، ثم رجع إلى تمام دُعائه، وفي هذا بُعدٌ وتعسُّفٌ كثير في المعنى.
الثالث: أن يكون على معنى الاستعارة، ويكون المراد بالتفدية: التعظيم والإكبار؛ لأنَّ الإنسان لا يُفدِّي إلَّا من يعظِّمه، وكأنَّ مراده في هذا: بَذل نفسي ومن يعزُّ عليَّ في رضاك وطاعتك.
وقد ذكر المازريُّ: أنَّ بعضَهم رواه: (فاغفر لنا بذاك [5] ما ابتغينا) ، وليس هذا اللفظ ممَّا وقع عند أحدٍ من شيوخنا في «الصحيح» ، وقد تَقَدَّم الخلاف في هذا في (حرف الباء) ، وقد ضبطنا في هذا الحرف (فداءٌ) ؛ بالرفع على الابتداء والخبر؛ أي: نفسي فداء لك، وبالنَّصب على المصدر، انتهى.
وقد ذكر غير واحد هذا اللفظ، وممَّن ذكره ابن الأثير في «النِّهاية» مختصرًا، وأنَّه على المجاز والاستعارة، فيكون المراد: التعظيم والإكبار، وذكر أنَّ (فداء) يروى بالرفع على الابتداء، والنصب على المصدر.
وقال السُّهيليُّ في (غزوة خيبر) في «روضه» : وقوله: (فداء لك) : قد قيل: إنَّ الخطاب للنَّبيِّ صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم؛ أي: اغفر لنا تقصيرَنا في حقِّك وطاعتك، إذ لا يتصور أن يقال لله تبارك وتعالى مثلُ هذا الكلام، وذلك أنَّ معنى قولهم: (فداء لك) ؛ أي: فداء لك أنفسنا وأهلونا، وحذف الاسم المبتدأ؛ لكثرة دوره في الكلام مع العلم به، وإنَّما يُفدِّي الإنسان بنفسه من يجوز عليه الفناء، وأقرب ما قيل فيه من الأقوال إلى الصواب: أنَّها كلمة يترجم بها عن محبَّةٍ وتعظيمٍ، فجاز أن يخاطب بها من لا يجوز في حقِّه الفداء، ولا يجوز عليه الفناء؛ قصدًا لإظهار المحبَّة والتعظيم له، وإن كان أصل الكلمة ما ذكرنا، فربَّ كلمة ترك أصلها، واستُعمِلت كالمثل في غير ما وُضِعت له أوَّل كما هنا، واُنلُفظ بالقسم في غير موضع القسم إذا أرادوا تعجُّبًا أو استعظامًا لأمر؛ كقوله صلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّم في حديث الأعرابيِّ من رواية إسماعيل بن جعفر: «أفلح وأبيه إن صدق ... » إلى آخره.
وقال شيخنا في (باب ما يجوز من الرجز والشِّعر) ما لفظه: (فداء لك) ؛ بالرفع والخفض أيضًا، فوجه الرفع: أن يكون خبر [6] مبتدأ مضمر؛ أي: نحن فداءٌ لك، ومن خفض (فداء) ؛ شبَّهه بـ (أمسِ) ، فبناه على الكسر؛ لبناء الأصوات عليه؛ نحو قولهم: قال الغراب: غاقِ ... إلى آخر كلامه، وقال أيضًا في الباب الذي هو قبل الباب المشار إليه: ومنهم من يكسر (فداء) إذا جاور لام الجرِّ خاصَّة، تقول: فداءٍ لك؛ لأنَّه نكرة، يريدون به معنى الدعاء، انتهى، وقد قدَّمتُ ذلك عن «الصحاح» للجوهريِّ، وأمَّا قوله: (فداءٍ) بالكسر؛ فلم أره إلَّا في كلام شيخنا، والله أعلم.